تبلیغات
ماڵپه‌ری ئیسلام كورد
Rss
Logo
ADS
زاراوه‌كانی قیرائات

مه‌تنی تحفة الأطفال

ته‌فسیری قورئانی پیرۆز

شێوازی نوێژی پێغه‌مبه‌ر

ئامۆژگاری بۆ موسڵمانان

كاتی بانگه‌كان&بانكبێژان

24 كاتژمێر راسته‌وخۆ

ئاماری ماڵپه‌ر
میوانانی سه‌رهێل

ژماره‌ى سه‌ردانه‌كان

ڕاپرسی ماڵپه‌ر
ئایا تا ئێستا سوودت له‌ ماڵپه‌ری ئیسلام كورد بینیوه‌؟؟؟

ماڵپه‌ره‌ كۆنه‌كه‌مان
عه‌لمانیه‌ت بناسه‌
گێژاوی مه‌دخه‌لیزم
مێژووی انصار الاسلام
فیرعه‌ونی زه‌مان و قه‌یرانی...

 

 

 



 آداب الصیام وأحكامه

 حقیقة الاعتكاف

الأصل فی الاعتكاف أنه الإقامة فی المكان طویلاً، ولزومه، والاشتغال فیه، وكان المشركون یعكفون عند الأوثان كما فی قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتوا على قوم یعكفون على أصنام لهم‏}‏ ‏(‏الأعراف‏:‏138‏)‏‏.‏ وقول إبراهیم علیه السلام‏:‏ ‏{‏ما هذه التماثیل التی أنتم لها عاكفون‏}‏ ‏(‏الأنبیاء‏:‏52‏)‏‏.‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏نعبد أصناماً فنظل لها عاكفین‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏71‏]‏‏.‏

وجعل الله عكوف المسلم واعتكافه لزوم المسجد، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أن طهرا بیتی للطائفین والعاكفین والركع السجود‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏125‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقربوهن وأنتم عاكفون فی المساجد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏187‏]‏‏.‏ فجعل العكوف لزوم المساجد‏.‏

فالأصل أن المعتكف یفرّغ نفسه وینفرد فی مكان ویشغل نفسه بالعبادة، وینقطع عن الدنیا وینقطع عن أهلها‏.‏

فالاعتكاف هو لزوم المسجد طاعة لله تعالى، والقصد منه التفرغ للعبادة‏.‏ وأن لا یخرج من المسجد إلا لضرورة ملحة لا یجد منها بداً، كأن یحضر طعامه وشرابه إذا لم یجد من یحضره له، وكذلك الخروج للخلاء وللوضوء وغیر ذلك‏.‏

قال ابن رجب رحمه الله‏:‏ معنى الاعتكاف وحقیقته‏:‏ قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق‏.‏

 الحكمة من الاعتكاف

إن الحكمة من الاعتكاف الانقطاعُ عن الدنیا، وعن الانشغال بها وبأهلها، والتفرغ للعبادة، والاستكثار منها‏.‏ وإنما كان الاعتكاف فی المساجد لأجل ألا یترك صلاة الجماعة مع المسلمین التی هی علامة وشعیرة من شعائر الإسلام‏.‏

 فضل الزمان وفضل المكان

فإذا عزم المسلم على الاعتكاف فعلیه أن یختار المسجد الذی تصلى فیه الجمعة، حتى لا یخرج إلا عند انتهاء مدة الاعتكاف، والأفضل أن یكون فی زمان فاضل تضاعف فیه العبادات حتى یجمع بین فضل الزمان وفضل المكان‏.‏

فالاعتكاف مثلاً فی المساجد الثلاثة‏:‏ المسجد الحرام، والمسجد النبوی، والمسجد الأقصى له میزته، وذلك لفضل العبادة بتلك المساجد، وأما بقیة مساجد الدنیا فإنها متساویة إلا أن المسجد الذی یكون قدیماً تكون العبادة فیه أفضل لقدم العبادة فیه فیختار المسجد الأقدم‏.‏

 مدة الاعتكاف

إذا أراد المسلم أن یعتكف؛ فأقل الاعتكاف یوم ولیلة، یعنی أربعاً وعشرین ساعة حتى یصدق علیه أنه معتكف، وما عدا ذلك فیه خلاف؛ فبعضهم یرى أن من اعتكف یوماً أی من طلوع الشمس إلى غروبها، أو لیلة من غروبها إلى طلوعها یكون اعتكافاً، وبعضهم یرى أنه لابد من یوم ولیلة حتى یتحقق الحدیث‏.‏

 محظورات الاعتكاف

یشتغل المعتكف بكل ما یقربه إلى الله عز وجل من صلاة وتلاوة للقرآن الكریم ومدارسته، كما أنه ینقطع عن العلاقات الدنیویة فینقطع عن الزیارات، فلا یفتح باب الزیارة لمن یزوره إلا قلیلاً لحاجته‏.‏ فقد ثبت أن بعض نساء النبی صلى الله علیه وسلم كنّ یأتین إلیه وهو معتكف ویتحدثن معه قلیلاً‏.‏

أما فتح باب الزیارة للأهل والأولاد والأصدقاء فإنه یجعل المسجد كالبیت، لا فرق بینهما، كما أنه یفتح الباب أمام الكلام الذی لا فائدة منه‏.‏

وكذلك على المعتكف ألا ینشغل بالدنیا وبأهلها، فلا یسال من رأى، ولا من سمع عن أمر من أمور الدنیا، ولا عن خبر من أخبارها، ولا یهتم بأمر من أمورها‏.‏ وبعد ذلك یعكف على العبادة؛ فینتقل من جنس الصلاة سواء التراویح أو غیرها، أو التقرب بالرواتب ونحوها، ینتقل إلى القراءة والذكر، والدعاء والابتهال إلى الله، وما أشبه ذلك مع حضور القلب حتى یجمع بین خشوع القلب وحضوره، وبین التكلم باللسان مع اتصافه أیضاً بالخشوع والخضوع‏.‏

ولأجل ذلك ذكر ابن رجب أن بعضهم یقول فی تعریف الاعتكاف‏:‏ ‏[‏أنه قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق‏]‏‏.‏ والعلائق بمعنى العلاقات فتقطع علاقتك بفلان وفلان، وتنقطع منها عن جمیع الخلائق، ویتصل قلبك بربك بحیث یكون ذكر الله على قلبك دائماً، نائماً ویقظان، قائماً وقاعداً ومضطجعاً‏.‏

تذكر الله فی كل حالاتك، وتتأمل، وتعقل ما تقول إذا كنت مشتغلاً بذلك‏.‏ وإن قرأت القرآن قرأته بتدبر‏.‏

وقد أدركنا قبل أربعین سنة، أو خمسین سنة آباءنا ومشایخنا كانوا یعتكفون، ولا یُخلُّونَ بالاعتكاف، وكانوا یعكفون على القرآن، حیث رزقهم الله حفظ القرآن وسهولته، فكانوا یختمونه كل یوم غالباً، أو كل یومین مع التدبر‏!‏‏!‏ ذلك لأنه شغلهم الشاغل فی لیلهم ونهارهم، إلا أنه فقط یؤتى بأكله، بفطوره وسحوره، وأحیاناً یقتصر على السحور‏.‏ فیتناول فی الإفطار تمرات قلیلة،ولا یتناول عشاءً، ویجعل عشاءه سحوراً‏.‏

هكذا أدركنا مشایخنا؛ یخرج الواحد منهم لقضاء الحاجة فقط، وللوضوء، لا یعود مریضاً، ولا یشهد جنازة، ولا یعود أهله، ولا یفتح باب زیارة ولا غیر ذلك‏.‏

هكذا المعتكف الذی یرید أن یكتب له أجر هذا الاعتكاف، ویقتدی فی ذلك بسنة نبیه صلى الله علیه وسلم، فإنه صلى الله علیه وسلم ما ترك الاعتكاف فی سنة من السنوات إلا سنة واحدة فی رمضان لما دخل معتكفه اعتكف معه بعض نسائه، وضربت كل واحدة منهن قبة، فلما رأى الأقبیة فی المسجد أنكر ذلك، وعرف أن هذا منافسة‏.‏ فعند ذلك ترك الاعتكاف تلك السنة واعتكف فی شوال، وكان فی الغالب یعتكف فی العشر الأواخر من رمضان‏.‏ واعتكف مرة أو مرتین فی العشر الأوسط‏.‏

والاعتكاف -كما سبق- كان للاستكثار من الطاعة، ولطلب أن یحظى العبد بالمغفرة، والمغفرة لها أسباب، ومن أسبابها فی رمضان‏:‏ الصیام إیماناً واحتساباً‏.‏ وقیام رمضان إیماناً واحتساباً‏.‏ وكذلك قیام لیلة القدر إیماناً واحتساباً‏.‏ فیحرص العبد على أن یحظى بسبب من أسباب مغفرة الذنوب التی اقترفها فیما مضى من عمره‏.‏



الفصل الخامس‏:‏ إحیاء العشر الأواخر من رمضان

إذا علمنا أن شهر رمضان هو أفضل الشهور، كانت نتیجة ذلك أن نجتهد فیه اغتناماً لفضله، وإذا علمنا أن العشر الأواخر هی أفضل أیامه، وأفضل لیالیه، كانت نتیجة ذلك أن نكثر الاجتهاد فیها، وألا نضیع منها وقتاً فی غیر منفعة‏.‏

وهذه الأیام العشر یستحب فیها أربعة أشیاء‏:‏

1- إحیاؤها كلها‏.‏

2- زیادة الاجتهاد فیها بالأعمال الأخرى‏.‏

3- إظهار النشاط فیها والقوة‏.‏

4- الاعتكاف واعتزال الشهوات والملذات‏.‏

 إحیاء الرسول صلى الله علیه وسلم العشر الأواخر

ثبت فی الصحیح عن عائشة رضی الله عنها أنها قالت‏:‏ ‏(‏كان رسول الله صلى الله علیه وسلم إذا دخل العشر أحیا لیله، وأیقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر‏)‏‏.‏ وكذلك روی عنها أنها قالت‏:‏ ‏(‏كان رسول الله صلى الله علیه وسلم یخلط العشرین من رمضان بصلاة ونوم، فإذا كان فی العشر لم یذق غمضاً‏)‏‏.‏ أی‏:‏ فی اللیالی العشر لا یذوق غمضاً، بل یقوم لیله كله دون نوم‏.‏

وفی حدیث آخر‏:‏ ‏(‏إذا دخل العشر طوى فراشه‏)‏‏.‏ یعنی‏:‏ فراش النوم لیلاً فی آخر لیالی الشهر‏.‏ وفی حدیث آخر تأكید الإحیاء بقولها‏:‏ ‏(‏وأحیا لیله كله‏)‏‏.‏

 أقسام الناس فی إحیاء العشر الأواخر

ینقسم الناس فی إحیاء هذه اللیالی إلى أربعة أقسام

 القسم الأول‏:‏ یحیونها بالعبادات

هناك من یحیون العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، فیحیونها بالصلاة، وطول القیام والركوع والسجود، اقتداءً بفعل نبیهم صلى الله علیه وسلم فقد كان یدیم الصلاة فی هذه اللیالی؛ فإنه صلى لیلة ببعض صحابته حتى خشوا أن یفوتهم السحور، وكذلك صلى مرة ومعه رجل من أصحابه -وهو حذیفة- فقرأ فی ركعة واحدة ثلاث سور‏:‏ سورة البقرة وسورة آل عمران، وسورة النساء، یقرأ بتدبر، ویقف عند آیة الرحمة فیسأل، وعند آیة العذاب فیتعوذ، یقول‏:‏ فما صلى ركعتین، أو أربع ركعات حتى جاءه المؤذن للصلاة‏.‏

وهذا هو الأصل فی إحیاء هذه اللیالی، فتجد المجتهدین قبل سنوات یهتمون بهذه اللیالی، ویولونها زیادة نشاط وعبادة، اقتداءً بفعل نبیهم صلى الله علیه وسلم بحیث إنهم یزیدون فی قیام هذه اللیالی، ویقطعون اللیل كله فی الصلاة، فیصلون عشر ركعات، ویقرؤون فیها نحوجزء ونصف، ثم یستریحون نحونصف ساعة ثم یصلون أربع ركعات بسلامین فی ساعتین، أو ساعة ونصف على الأقل یقرؤون فیها ثلاثة أجزاء، أو جزئین ونصفاً، ثم یستریحون نحوساعة أو أقل، ثم یصلون ست ركعات تستغرق ساعتین ونصفاً، أو ثلاث ساعات، یقرؤون فیها أیضاً ثلاثة أجزاء أو ثلاثة ونصفاً، ثم یستریحون قلیلاً، ثم یصلون الوتر، فیكون لیلهم كله عامراً بالصلاة، وإنما یتخللها فترات راحة، وذلك اقتداء بما كان علیه السلف والصحابة ومن بعدهم‏.‏

وكان الصحابة یصلون فی لیالی رمضان ثلاثاً وعشرین ركعة، وربما صلى بعضهم، أو بعض التابعین كما عند الإمام مالك فی روایة ستاً وثلاثین، وعند الإمام الشافعی یصلی فی لیالی رمضان إحدى وأربعین ركعة فی روایة عنه فیصلون أربع ركعات، وتستغرق نصف ساعة، یستریحون بعدها نحوخمس أو عشر دقائق، ثم یصلون أربعاً وهكذا، ولذلك سموا هذا القیام بالتراویح حیث إنهم یرتاحون بعد كل أربع ركعات‏.‏ فهذه الأفعال هی حقاً إحیاء لهذه اللیالی فی العبادة‏.‏

ویدخل فی إحیاء تلك اللیالی أیضاً إحیاؤها بالقراءة؛ فإن هناك من یسهر لیالی العشر یصلون ما قدر لهم، ثم یجتمعون حلقات، ویقرؤون ما تیسر من القرآن فی بیت من بیوت الله فی المساجد، أو فی بیت أحدهم رجاء أن تُحقَّق الفضائل التی رتبت على ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله علیه وسلم‏:‏ ما اجتمع قوم فی بیت من بیوت الله یتلون كتاب الله ویتدارسونه بینهم إلا نزلت علیهم السكینة، وغشیتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فیمن عنده‏.‏

فإذا اجتمع جماعة، عشرة أو عشرون، أو نحوذلك یقرؤون القرآن؛ یقرأ أحدهم، وبقیتهم یستمعون له، ناظرین فی مصاحفهم، ثم یقرأ الثانی، حزباً أو نصف حزب، أو ربعه، ثم یقرأ الثالث‏.‏‏.‏ وهكذا، فیصدق علیهم أنهم یتلون كتاب الله ویتدارسونه بینهم، فیُحیون لیلهم بالطاعات والقربات‏.‏

كذلك إذا أحیوا اللیل بتعلم أو تعلیم كان ذلك أیضاً أحیاءً لهذه اللیالی بطاعة‏.‏ فإذا أحیینا لیلنا أو جزءاً من لیلنا فی تعلُّم علوم دینیة، كان ذلك إحیاء لهذه اللیالی بطاعة تنفعنا إن شاء الله‏.‏

فهؤلاء هم الذین ربحوا لیلهم، واستفادوا من وقتهم‏.‏

 القسم الثانی‏:‏ یحیونها فی التكسب وفی التجارات

ویندرج فی هذا القسم أولئك الذین یحیون لیلهم فی التكسب، فی تجاراتهم، وفی صناعاتهم وفی دكاكینهم؛ وهؤلاء قد ربحوا نوعاً من الربح، وهو ربح عابر؛ ربح دنیوی، لكنه قد یكون عند بعضهم أنفس وأغلى ثمناً مما حصل علیه أهل المساجد، وأهل القراءات، وأهل العلم‏!‏ ولكنهم فی الحقیقة قد خسروا أكثر مما ربحوا، فترى أحدهم یبیت لیله كله فی مصنعه، أو فی متجره أو حرفته، أو نحو ذلك‏.‏ فهذا قد أسهر نفسه، وأحیى لیله، ولكن فی طلب الدنیا الدنیئة‏!‏

فإذا كان ممن رغب عن الأعمال الأخرویة، وزهد فیها، وأقبل على الدنیا بكلیته، وانصرف إلیها ولم یعمل لآخرته، خیف علیه أن یكون ممن قال الله تعالى فی حقهم‏:‏ ‏{‏من كان یرید الحیاة الدنیا وزینتها نوفِّ إلیهم أعمالهم فیها وهم فیها لا یبخسون أولئك الذین لیس لهم فی الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فیها وباطل ما كانوا یعملون‏}‏ ‏[‏سورة هود‏:‏15-16‏]‏‏.‏

وهذه الآیة فیمن جعل دنیاه أكبر همه، ونسی أو تناسى الآخرة، ولم یعمل لها، وكان مقصده ودیدنه السعی وراء هذا الحطام؛ بل جعلها هی مقصده، لا یعمل ولا یسعى ولا یكدح إلا لها، حتى كأنها معبوده، فیصدق علیه أنه عابد لدنیاه، وأنه عابد لدرهمه ودیناره، ویتحقق علیه التعس، ویدعى علیه بقول النبی صلى الله علیه وسلم‏:‏ تعس عبدالدینار والدرهم والقطیفة‏.‏

ولكن بعضهم قد یحصل على جزء من الصلاة والقراءة ولا یكون غافلاً عن ربه ولا متغافلاً عن الذكر، ولا منشغلاً عن القراءة، فیستصحب معه -مثلاً- كتاب الله یقرأ فیه فی أوقات فراغه، ویذكر ربه فی أوقات فراغه، ویصلی ما قدر له، ویأتی بورد صغیر معه‏.‏ وهذا قد ربح نوعاً من الربح، وإن لم یكن الربح الأكمل، فهذا على طرف، لكن فاته الخیر الكثیر‏.‏

 القسم الثالث‏:‏ یحیونها فی اللهو واللغو

ویشمل أغلبیة الناس؛ فإننا نراهم یحیون لیلهم، ولكن فی لهو ، وسهو ‏!‏‏!‏ فتراهم یجتمعون فی بیوتهم ومجالسهم یتبادلون الفكاهات والضحك، والقیل والقال، وربما تجاوز الأمر بهم إلى الغیبة، وإلى النمیمة، وإلى الكلام فی أعراض الناس، وما أشبه ذلك، ولا یذكرون الله فی مجالسهم إلا قلیلاً، ولا یستصحبون شیئاً من القرآن، ولا من كتب الدین والعلم‏!‏

وینقطع لیل أحدهم، أو لیل جماعتهم لیس لهدف سوى نوم النهار، هكذا قصدوا‏!‏ فیفوت علیهم الأمران‏:‏

الأول‏:‏ أنهم لا یشاركون المصلین فی الصلوات، ولا یشاركون القراء فی قراءتهم‏.‏

والثانی‏:‏ أنهم لا یشاركون أهل الأرباح الدنیویة فی أرباحهم، فیفوت علیهم هذا وهذا‏!‏

ولا یحزنون على خسارتهم، وأی خسارة تلك التی لا یشعرون بها‏؟‏‏!‏ ألا وهی مضی هذه الأیام واللیالی الشریفة دون أن یستغلوها، ودون أن یستفیدوا منها‏.‏

فما أعظم خسارتهم‏!‏ وما أعظم حسرتهم حینما یرون أهل الأرباح قد تقاسموا الأرباح‏!‏ وحینما یرون أهل الحسنات قد ضوعفت لهم حسناتهم‏.‏ فهؤلاء لا خیر دین، ولا خیر دنیا، بل ربما یكتسبون مآثم بكلام لا فائدة فیه؛ فإن كلام ابن آدم مكتوب علیه، یقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ما یلفظ من قول إلا لدیه رقیب عتید‏}‏ ‏[‏ق‏:‏18‏]‏‏.‏

ویقول النبی صلى الله علیه وسلم‏:‏ كل كلام ابن آدم علیه لا له، إلا ذكر الله ومن والاه، وأمر بمعروف، ونهی عن منكر‏.‏

ویصدق على ذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا خیر فی كثیر من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بین الناس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏114‏]‏‏.‏

وهؤلاء قد یكتب علیهم ما یُسألون عنه، ویحاسبون علیه‏:‏ لماذا قلتم كذا‏؟‏ ولماذا تكلمتم بكذا‏؟‏ ولماذا لم تستخدموا ألسنتكم التی سخرها الله لكم فی ذكر الله‏؟‏ ولماذا أبعدتم آذانكم عن استماع ما فیه طاعة الله تعالى، وفیما یرضیه‏؟‏ فلا یجدون لهذا السؤال جواباً‏!‏

 القسم الرابع‏:‏ یحیونها فی المعاصی كبیرها وصغیرها

وهؤلاء كثیر أیضاً -والعیاذ بالله- وهم الذین یحیون هذه اللیالی الشریفة فی ضد الطاعة‏!‏ فتراهم یسهرون على آلات اللهو ، والمجون‏:‏ ینصتون إلى الأغانی الفاتنة، وإلى الأشرطة الماجنة، وإلى رؤیة الصور والأفلام الخلیعة‏!‏

وربما زادوا على ذلك هذه النظرات التی ینظرونها إلى ما یثیر الشهوات المحرمة؛ فإن سماع هذه الأغانی الفاتنة یزرع فی القلوب محبة الزنا والفساد؛ فیدفعهم ذلك إلى طلب المحرمات‏.‏ وكذلك فإن مشاهدتهم لتلك الصور الخلیعة تزرع فی قلوبهم محبة الشرور فتدفعهم اندفاعاً كلیاً إلى أن یأتوا ما لا یحل لهم من زنا، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك‏.‏ وكثیر منهم لا تحلومجالسهم ولا تلذّ إلا إذا شنَّفوا أسماعهم بالأغانی الخلیعة‏!‏ ومتّعوا أعینهم بالصور الهابطة‏!‏ وعطَّروا أفواههم بالكلام القبیح‏!‏ وملأوا شهواتهم وبطونهم بالأشربة المحرمة من خمر ونحوها‏!‏ فیجمعون بذلك بین ترك الطاعة، وارتكاب المعصیة، أو ما یسبب محبة المعصیة‏.‏

فمثل هؤلاء مع كونهم محرومین، فإنهم آثمون إثماً كبیراً، وهؤلاء موجودون بكثرة، ویشكومنهم كثیر من الهیئات ممن یأمرون بالمعروف، أو ینهون عن منكر بكثرة، وغالباً ما یعثرون علیهم حتى فی نهار رمضان ویقبض علیهم وهم فی سكر‏!‏‏!‏ فلا صیام، ولا ابتعاد عن المحرمات‏!‏ وسبب ذلك أنهم طوال لیلهم وهم یتفكرون بهذه المحرمات كما زعموا‏!‏ فیتمادى بهم ذلك إلى محبة هذه المعاصی، والتلذذ بها، فیستعملونها فی النهار ویتركون الصیام، الذی هو ركن من أركان الإسلام، ویجمعون بین المعصیة وترك الطاعة -والعیاذ بالله-‏.‏

وكثیراً ما یختطفون النساء فی الأسواق‏!‏ ویتابعونهن، ویلمزونهن‏!‏ وذلك كله من أسباب ضعف الإیمان وقلته فی القلوب، وحلول المعاصی ومقدمات الكفر بدلاً منه‏.‏

فهذه أقسام الذین یحیون هذه اللیالی، فلیختر المسلم لنفسه ما یناسبه من هذه الأقسام‏!‏‏!‏
استحباب زیادة الاجتهاد فی العشر الأواخر

ورد فی حدیث عائشة‏:‏ ‏(‏أنه صلى الله علیه وسلم كان إذا دخل العشر، أحیا لیله، وأیقظ أهله، وجَدَّ‏)‏‏.‏ والجدّ هو ‏:‏ بذل الجهد فی طلب الطاعات، أو فی فعلها، أی‏:‏ بذل ما یمكنه من الوسع‏.‏

وذلك یستدعی أن یأتی الطاعة بنشاط، ورغبة، وصدق ومحبة‏.‏ ویستدعی أن یبعد عن نفسه الكسل، والخمول، والتثاقل، وأسباب ذلك، ففی أی شیء یكون هذا الجدّ‏؟‏

* الجد فی الصلاة؛ فیصلی فی اللیل والنهار ما استطاع‏.‏

* والجد فی القراءة؛ أن یقرأ ما تیسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر‏.‏

* والجد فی الذكر؛ أن یذكر الله ولا ینساه، ولا زال لسانه رطباً بذكر الله‏.‏

* والجد فی الدعاء؛ أن یدعوربه تضرعاً وخفیة وأن یكثر من الدعاء‏.‏

* والجد فی الأعمال الخیریة المتعددة من النصائح والعبادات، وما أشبه ذلك‏.‏

* والجد فی العلم والتعلم وما یتصل بذلك، أی الاجتهاد فی الأعمال كلها‏.‏

إیقاظ الأهل فی العشر الأواخر‏:‏

ویدخل فی ذلك أمر الأهل -وهم الأولاد والنساء- بالصلاة، فیستحب للمسلم أن یوقظ أهله بهدف الصلاة، وأن یذكرهم بفضلها‏.‏

وكان السلف رحمهم الله یوقظون أهلیهم حتى فی غیر رمضان‏.‏ وكان عمر رضی الله عنه إذا كان آخر اللیل أیقظ أهله كلهم، وأیقظ كل صغیر وكبیر یطیق الصلاة، وكان یقرأ قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمر أهلك بالصلاة واصطبر علیها‏}‏ ‏[‏طه‏:‏132‏]‏‏.‏

یستشهد بهذه الآیة على الحرص على صلاة النافلة، وذلك دلیل على محبة الصحابة والسلف رضی الله عنهم للإكثار من أعمال الخیر فی اللیل والنهار‏.‏

لذلك یتأكد على المسلم أن یوقظ أهله وإخوته، وأولاده ونساءه، ومن یتصل به، ومن له ولایة علیه، یوقظهم لأجل أن یقوموا فی هذه اللیالی الشریفة‏.‏ فهی لیال محصورة، إنما هی عشر لیال، أو تسع لیال إذا لم تكتمل لیالی الشهر إلى ثلاثین لیلة بأن كان الشهر ناقصاً یوماً، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخیر أن یغتنمها، ویستغل أوقاتها‏.‏

وعن رسول الله صلى الله علیه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا قام الرجل للصلاة وأیقظ أهله فصلیا كُتبا من الذاكرین الله كثیراً والذاكرات‏)‏‏.‏

وقد وردت أحادیث بفضائل كثیرة فی إیقاظ الأهل فی مثل هذه اللیالی وغیرها‏.‏

 إظهار النشاط والقوة فی العشر الأواخر

ثبت عنه صلى الله علیه وسلم أنه كان فی لیالی العشر یغتسل كل لیلة بین العشائین أو بعد العشاء، والقصد من هذا الاغتسال أن یأتی الصلاة بنشاط بدن، ومن نشاط البدن یأتی نشاط القلب‏.‏

ومن احترام هذه اللیالی وتعظیمها أن النبی صلى الله علیه وسلم وصحابته كانوا یتجملون لهذه اللیالی فیلبس أحدهم أحسن ثیابه، لیكون ذلك أیضاً أنشط لبدنه، وأنشط لقلبه، حتى إن كثیراً منهم یتجملون فی هذه اللیالی بثیاب لا یلبسونها لغیرها‏.‏

ومما یفعلونه للنشاط والقوة استعمالهم للطیب فی البدن، وفی الثوب، وفی المساجد، فكانوا یستعملون النضوح، والنضوح هی‏:‏ الأطیاب السائلة حتى یكون الإنسان طیب الریح، ویكون بعیداً عن الروائح الكریهة لأن الملائكة تحب الریح الطیب، وتتأذى مما یتأذى منه ابن آدم، وكذلك یطیبون مساجدهم بالنضوح، وبالدخنة التی هی المجامر‏.‏

فمثل هذه مما تكسب النشاط فی البدن، والنشاط فی القلب، ومتى كان القلب والبدن نشیطین لم یملّ الإنسان ولم یكل، ومتى كان البدن كسولاً ضعف قلبه، وملّ من العبادة، وكسل عنها‏.‏

وكثیراً ما یذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك فی وصفه المنافقین بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏142‏]‏‏.‏

فالمسلم یأتی بالأعمال التی تحبب إلیه العبادة وتجعله منشرح القلب، مقبلاً علیها بكلیته، غیر غافل ولا ساه، بعیداً عن كل ما یلهی القلب ویشغله عن طاعة مولاه عز وجل‏.‏

 تحری لیلة القدر فی العشر الأواخر

یرجع سبب فضل لیالی العشر إلى أن فیها لیلة القدر؛ یقول النبی صلى الله علیه وسلم فی حدیث سلمان الطویل فی فضل شهر رمضان‏:‏ ‏(‏شهر فیه لیلة خیر من ألف شهر، من حرم خیرها فقد حرم‏)‏‏.‏

وهذه اللیلة قد أخفی العلم بعینها، فلم یطلع الله علیها أحداً من خلقه، والسبب فی ذلك طلب الاجتهاد فی بقیة اللیالی، فإنهم لوعلموا عینها لناموا فی بقیة اللیالی، وقاموا هذه اللیلة وحدها، ولم یحصل لهم زیادة الأعمال، فإذا أبهمت فی هذه اللیالی فإنهم یجتهدون، فیقومون فی كل لیلة جزءاً رجاء أن یوافقوها، فكلما جاءت لیلة قال أحدهم‏:‏ أرجوأن تكون هذه هی اللیلة التی هی خیر من ألف شهر، فیقومها‏.‏ فإذا جاءت اللیلة التی بعدها قال‏:‏ قد تكون هذه، إلى أن تنتهی أیام العشر، فیحصل على أجر كثیر، وتتضاعف له الحسنات، ویكون ممن عبد ربه عبادة متتابعة، لا عبادة منقطعة قلیلة‏.‏

أما تعیین تلك اللیلة فقد اختلف فیها اختلافاً كثیراً، حتى وصلت الأقوال فیها إلى أكثر من أربعین قولاً كما فی فتح الباری‏.‏ وكلها لیست بیقین‏.‏

فمنهم من قال‏:‏ إنها لیلة إحدى وعشرین، واستدل بأن النبی صلى الله علیه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنی رأیت فی صبیحتها أنی أسجد فی ماء وطین‏)‏‏.‏ قال أبوسعید راوی الحدیث‏:‏ فأمطرت السماء فوكف سقف المسجد، فانصرف النبی صلى الله علیه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطین‏.‏

ورجّح الإمام الشافعی لیلة إحدى وعشرین لهذا الحدیث‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ هی لیلة ثلاث وعشرین، واستدل ‏(‏بأنه صلى الله علیه وسلم حث على قیام السبع الأواخر مرة، ثم قال‏:‏ كم مضى من الشهر‏؟‏ قالوا‏:‏ مضى ثنتان وعشرون، وبقی ثمان، قال‏:‏ بل مضى ثنتان وعشرون وبقی سبع، فإن الشهر لا یتم، اطلبوها اللیلة‏.‏ ‏(‏یعنی لیلة ثلاث وعشرین‏)‏ ذكره ابن رجب فی الوظائف‏.‏

ومنهم‏:‏ من رجح لیلة أربع وعشرین، وذلك لأنها أولى السبع الأواخر، واستدل بأنه صلى الله علیه وسلم لما رأى كثیر من أصحابه لیلة القدر فی السبع الأواخر قال‏:‏ ‏(‏أرى رؤیاكم قد تواطأت فی السبع الأواخر فتحروها أو قال‏:‏ فمن كان متحریها فلیتحرَّها فی السبع الأواخر‏)‏‏.‏ والسبع الأواخر أولها لیلة أربع وعشرین إذا كان الشهر تاماً‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ إنها تطلب فی لیالی الوتر من العشر كلها؛ وذلك لأنه صلى الله علیه وسلم قال‏:‏ ‏(‏التمسوها فی الوتر من العشر الأواخر من رمضان‏)‏‏.‏ والوتر هی اللیالی الفردیة‏.‏

وبالرجوع إلى ما مضى فلیالی الوتر هی لیلة إحدة وعشرین، وثلاث وعشرین، وخمس وعشرین، وسبع وعشرین، وتسع وعشرین‏.‏ فهذه أوتارها بالنسبة إلى ما مضى‏.‏

وإذا قلنا‏:‏ إنها بالنسبة إلى ما بقی فهی اللیلة الأخیرة التی ما بعدها إلا لیلة واحدة‏.‏ ولیلة ثمان وعشرین، ولیلة ست وعشرین، ولیلة أربع وعشرین، ولیلة اثنتین وعشرین‏.‏

وعلى هذا تكون لیالی العشر كلها محلاً للطلب والالتماس‏.‏

 فضل لیلة القدر

ذكر الله سبحانه وتعالى أن لیلة القدر خیر من ألف شهر، ومعنى ذلك أن الصلاة فیها أفضل من الصلاة فی ألف شهر، والعمل فیها أفضل من العمل فی ألف شهر‏.‏

روی أنه صلى الله علیه وسلم ذكر رجلاً من بنی إسرائیل حمل السلاح ألف شهر، فتعجب من ذلك الصحابة رضی الله عنهم وقالوا‏:‏ كیف تبلغ أعمارهم إلى ذلك‏؟‏ فأنزل الله هذه اللیلة -أی لیلة القدر- حیث العبادة فیها خیر من الألف شهر التی حمل فیها ذلك الإسرائیلی السلاح فی سبیل الله‏.‏ ذكره ابن رجب وغیره‏.‏

وعلى كل حال فإن هذا فضل عظیم‏.‏ ومن فضل لیلة القدر أیضاً أنها سبب لغفران الذنوب، وأن من حُرم خیرها فقد حرم‏.‏

 قیام لیلة القدر

قیام لیلة القدر یحصل بصلاة ما تیسر منها، فإن من قام مع الإمام أول اللیل أو آخره حتى ینصرف كتب من القائمین‏.‏ ‏(‏وقد ثبت أنه صلى الله علیه وسلم صلى لیلة مع أصحابه أو بأصحابه، فلما انصرفوا نصف اللیل قالوا‏:‏ لونفلتنا بقیة لیلتنا، فقال‏:‏ إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ینصرف كتب له قیام لیلة‏)‏‏.‏ رواه أحمد وغیره، وكان أحمد یعمل به‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏(‏لونفلتنا لیلتنا‏)‏‏:‏ یعنی لوأكملت لنا قیام لیلتنا وزدنا فی الصلاة حتى نصلیها كاملة، ولكنه صلى الله علیه وسلم بشرهم بهذه البشارة، وهی أنه من قام وصلى مع الإمام حتى یكمل الإمام صلاته، كتب له قیام لیلة‏.‏ فإذا صلَّى المرء مع الإمام أول اللیل وآخره حتى ینصرف كتب له قیام تلك اللیلة، فحظی منها بما یسر الله، وكتب من القائمین، هذا هو القیام‏.‏

وقیام لیلة القدر یكون إیماناً واحتساباً كما فی قول النبی صلى الله علیه وسلم‏:‏ إیماناً واحتساباً‏.‏

والإیمان هو ‏:‏ التصدیق بفضلها، والتصدیق بمشروعیة العمل فیها‏.‏ والعمل المشروع فیها هو الصلاة، والقراءة، والدعاء، والابتهال، والخشوع، ونحوذلك‏.‏‏.‏ فإن علیك أن تؤمن بأن الله أمر به، وشرعه، ورغب فیه، فمشروعیته متأكدة‏.‏

وإیمان المرء بذلك تصدیقه بأن الله أمر به، وأنه یثیب علیه‏.‏

وأما الاحتساب‏:‏ فمعناه خلوص النیة، وصدق الطویة، بحیث لا یكون فی قلبه شك ولا تردد، وبحیث لا یرید من صلاته، ولا من قیامه شیئاً من حطام الدنیا، ولا شیئاً من المدح، ولا الثناء علیه، ولا یرید مراءاة الناس لیروه، ولا یمدحوه ویثنوا علیه، إنما یرید أجره من الله تعالى، فهذا هو معنى قول الرسول صلى الله علیه وسلم‏:‏ إیماناً واحتساباً‏.‏

وأما غفران الذنوب فإنه مقید فی بعض الروایات بغفران الخطایا التی دون الكبائر، أما الكبائر فلابد لها من التوبة النصوح، فالكبائر یجب أن یتوب الإنسان منها، ویقلع عنها ویندم‏.‏ أما الصغائر فإن الله یمحوها عن العبد بمثل هذه الأعمال، والمحافظة علیها، ومنها‏:‏ صیام رمضان، وقیامه، وقیام هذه اللیلة‏.‏

ویستحب كثرة الدعاء فی هذه اللیلة المباركة، لأنه مظنة الإجابة، ویكثر من طلب العفووالعافیة كما ثبت ذلك فی بعض الأحادیث، فعن عائشة رضی الله عنها قالت‏:‏ قلت‏:‏ یا رسول الله، إن علمت أی لیلة لیلة القدر، ما أقول فیها‏؟‏، قال‏:‏ قولی‏:‏ اللهم إنك عفوكریم تُحب العفوفاعف عنی‏.‏

والعفومعناه‏:‏ التجاوز عن الخطایا، ومعناه‏:‏ طلب ستر الذنوب، ومحوها وإزالة أثرها، وذلك دلیل على أن الإنسان مهما عمل، ومهما أكثر من الحسنات فإنه محل للتقصیر، فیطلب العفوفیقول‏:‏ یا رب اعف عنی‏.‏ یا رب أسألك العفو‏.‏

وقد كثرت الأدعیة فی سؤال العفو، فمن ذلك دعاء النبی صلى الله علیه وسلم بقوله‏:‏ اللهم إنی أسألك العفووالعافیة، والمعافاة الدائمة فی الدین والدنیا والآخرة‏.‏

وكان بعض السلف یدعوفیقول‏:‏ اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا، فاعف عنا‏.‏

ویقول بعضهم شعراً‏:‏

یا رب عبدك قد أتاك، وقد أساء، وقد هفا

حمل الذنوب على الذنوب الموبقات وأسرفا

یكفیه منك حیاؤه من سوء ما قد أســلفا

رب اعف عنه، وعافه فلأنت أولى من عفا

فهذا القول ونحوه دلیل على أن الإنسان مهما عمل فغایة أمنیته العفووالتجاوز والصفح عن الذنوب والخطایا، وسترها وإزالة أثرها‏.‏

الفصل السادس‏:‏ القرآن والذكر فی رمضان

 القرآن فی رمضان

معلوم أن رمضان شهر له خصوصیة بالقرآن‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏شهر رمضان الذی أنزل فیه القرآن هدى للناس وبینات من الهدى والفرقان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏185‏]‏‏.‏

فقد أنزل الله القرآن فی هذا الشهر، وفی لیلة منه هی لیلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزیة بهذا القرآن‏.‏

وكان النبی صلى الله علیه وسلم یعرض القرآن فی رمضان على جبریل علیه السلام، فكان یدارسه القرآن‏.‏

فعن ابن عباس رضی الله عنهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله علیه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما یكون فی رمضان حین یلقاه جبریل فیدارسه القرآن‏.‏

فكونه یخص لیالی رمضان بمدارسته، دلیل على أهمیة قراءة القرآن فی رمضان‏.‏

ومعلوم أن الكثیر من الناس یغفلون عن قراءة القرآن فی غیر رمضان، فنجدهم طوال السنة لا یكاد أحدهم یختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتین، أو ربما نصف ختمة فی أحد عشر شهراً، فإذا جاء رمضان أقبل علیه وأتم تلاوته‏.‏

ونحن نقول‏:‏ إنه على أجر، وله خیر كبیر، ولكن ینبغی ألا یهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذین یجهرونه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الرسول یا رب إن قومی اتخذوا هذا القرآن مهجوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏17‏]‏‏.‏

* ومن هجران القرآن ألا یكون الإنسان مهتماً به طوال العام إلا قلیلاً‏.‏

* ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم یتدبره، ولم یتعقله‏.‏

* ومن هجرانه أن القارئ یقرأه لكنه لا یطبقه، ولا یعمل بتعالیمه‏.‏

وأما الذین یقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذین هم أهل الله وخاصته‏.‏

ویجب على المسلم أن یكون مهتماً بالقرآن، ویكون من الذین یتلونه حق تلاوته، ومن الذین یحللون حلاله ویحرمون حرامه، ویعملون بمحكمه، ویؤمنون بمتشابهه، ویقفون عند عجائبه، ویعتبرون بأمثاله، ویعتبرون بقصصه وما فیه، ویطبقون تعالیمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن یعمل به ویطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملاً وفیها أجر‏.‏

وفضائل التلاوة كثیرة ومشهورة، ولولم یكن منها إلا قول النبی صلى الله علیه وسلم‏:‏ من قرا حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، ومیم حرف‏.‏ فجعل فی قراءة آلم ثلاثین حسنة‏.‏

وفضائل التلاوة كثیرة لا تخفى على مسلم، وفی لیالی رمضان وأیامه تشتد الهمة له‏.‏ كان بعض القراء الذین أدركناهم یقرؤون فی كل لیلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ یجتمعون فی بیت، أو مسجد، أو أی مكان، فیقرؤونه فی كل عشرة أیام مرة‏.‏ وبعضهم یقرأ القرآن ویختمه وحده‏.‏

وقد أدركت من یختم القرآن كل یوم مرة أو یختم كل یومین مرة‏!‏ فقد یسره الله وسهله علیهم، وأشربت به قلوبهم، وصدق الله القائل‏:‏ ‏{‏ولقد یسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏17‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فإنما یسَّرناه بلسانك لعلهم یتذكرون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏58‏]‏‏.‏

فمن أحب أن یكون من أهل الذكر فعلیه أن یكون من الذین یتلون كتاب الله حق تلاوته، ویقرأه فی المسجد، ویقرأه فی بیته، ویقرأه فی مقر عمله، لا یغفل عن القرآن، ولا یخص شهر رمضان بذلك فقط‏.‏

فإذا قرأت القرآن فاجتهد فیه؛ كأن تختمه مثلاً كل خمسة أیام، أو فی كل ثلاثة أیام، والأفضل للإنسان أن یجعل له حزباً یومیاً یقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، وهكذا‏.‏ لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقیة السنة ویحبب إلیك كلام الله، فتجد له لذة، وحلاوة، وطلاوة، وهنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته‏.‏

هذه سمات وصفات المؤمن الذی یجب أن یكون من أهل القرآن الذین هم أهل الله تعالى وخاصته‏.‏

أما قراءة القرآن فی الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا یقرؤون فی اللیل فرادى ومجتمعین قراءة كثیرة‏.‏ فقد ذكروا أن الإمام الشافعی -رحمه الله- كان یختم فی اللیل ختمة، وفی النهار ختمة، فی غیر الصلاة؛ لأنه یقرأ فی الصلاة زیادة على ذلك‏.‏

وقد یستكثر بعض الناس ذلك ویستبعدونه، وأقول‏:‏ إن هذا لیس ببعید، فقد أدركت أناساً یقرؤون من أول النهار إلى أذان صلاة الجمعة أربعین جزءاً فی مجلس واحد‏.‏ یقرأ، ثم یعود فیقرأ، یختم القرآن ثم یعود فیختم ثلث القرآن، فلیس من المستبعد أن یختم الشافعی فی النهار ختمة، وفی اللیل ختمة‏.‏

ولا یستغرب ذلك أیضاً على الذین سهل القرآن فی قلوبهم، وعلى ألسنتهم، فلا یستبعده إلا من لم یعرف قدر القرآن، أو لم یذق حلاوته فی قلبه‏.‏

وعلى الإنسان إذا قرأ القرآن أن یتدبَّره ویعقله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك فی آیات كثیرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا یتدبَّرون القرآن ولوكان من عند غیر الله لوجدوا فیه اختلافاً كثیراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏82‏]‏‏.‏

فنحن مأمورون أن ننظر فی هذا القرآن ونتدبره، والكفار كذلك مأمورون بذلك حتى یعترفوا أنه من عند الله، وأنه لوكان من عند غیر الله لاختلفت أحكامه، ولاضطربت أوامره ونواهیه، فلما كان محكماً متقناً، لم یقع فیه أی مخالفة، ولا أی اضطرابات كان ذلك آیة عظیمة، ومعجزة باهرة‏.‏

فهذا هو القصد من هذه الآیة، ولكن لا ینافی ذلك بأننا مأمورون أن نتدبر كل ما قرأنا كما أُمرنا‏.‏









 


صفحات سایت

پیچک