تبلیغات
ماڵپه‌ری ئیسلام كورد
Rss
Logo
ADS
زاراوه‌كانی قیرائات

مه‌تنی تحفة الأطفال

ته‌فسیری قورئانی پیرۆز

شێوازی نوێژی پێغه‌مبه‌ر

ئامۆژگاری بۆ موسڵمانان

كاتی بانگه‌كان&بانكبێژان

24 كاتژمێر راسته‌وخۆ

ئاماری ماڵپه‌ر
میوانانی سه‌رهێل

ژماره‌ى سه‌ردانه‌كان

ڕاپرسی ماڵپه‌ر
ئایا تا ئێستا سوودت له‌ ماڵپه‌ری ئیسلام كورد بینیوه‌؟؟؟

ماڵپه‌ره‌ كۆنه‌كه‌مان
عه‌لمانیه‌ت بناسه‌
گێژاوی مه‌دخه‌لیزم
مێژووی انصار الاسلام
فیرعه‌ونی زه‌مان و قه‌یرانی...

 

 

 




 آداب الصیام وأحكامه

 تقدیم

فضیلة الشیخ العلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرین

الحمد لله الذی فضل شهر رمضان على بقیة الشهور، وجعله موسماً لصالح الأعمال ومضاعفة الأجور‏.‏

وأحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله وأنزل فیه القرآن بما أوضح من الهدى والنور‏.‏ إلا الله، ولا نعبد إلا إیاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ الذی بین للأمة الأعمال، وسن لهم من نوافل العبادات ما یحصلون به على المغفرة وجزیل الثواب، صلى الله علیه وآله وصحبه وسلم تسلیماً كثیراً‏.‏

وبعد‏:‏

فهذه مجموعة من محاضرات تتعلق بالصیام والقیام والاعتكاف والأعمال الصالحة التی تسن فی شهر رمضان، كنت ألقیتها فی مناسبات وأوقات مختلفة فجمعها بعض الإخوان الصالحین، وطلب الإذن فی نشرها فوافقت على ذلك لما فیها من المصلحة والمنفعة العامة والخاصة‏.‏ وحیث إنها ألقیت ارتجالاً بدون تحضیر وإعداد فلا یستغرب ضعف التعبیر ووجود الاختلال فی سبك الكلام وعدم التناسب والتنسیق، ولكن المعنى ظاهر مفهوم، والله المسؤول أن ینفع بها المسلمین وأن یجزل لنا الثواب ولمن سعى فی إخراجها، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم‏.‏

عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرین

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعینه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سیئات أعمالنا، من یهده الله فلا مضل له ومن یضلل فلا هادی له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله علیه وسلم‏.‏

أما بعد‏:‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏یا أیها الذین آمنوا كتب علیكم الصیام كما كتب على الذین من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏183‏]‏‏.‏

یقول ابن كثیر رحمه الله ‏[‏تفسیر القرآن العظیم 1/213‏]‏‏:‏ یقول الله تعالى مخاطباً المؤمنین من هذه الأمة وآمراً لهم بالصیام؛ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنیة خالصة لله عز وجل لما فیه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقیتها من الأخلاط الردئیة والأخلاق الرذیلة، وذكر أنه كما أوجبه علیهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فیهم أسوة حسنة، ولیجتهد هؤلاء فی أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك‏.‏‏.‏ ثم قال‏:‏ والصوم فیه تزكیة للبدن وتضییق لمسالك الشیطان‏.‏‏.‏‏.‏ ا هـ‏.‏

لقد جاءكم شهر كریم، أوجب الله صیامه وقیامه، فمن قصر فیه فهو من الخاسرین، ومن اجتهد فی صیامه وقیامه كان من الرابحین‏.‏

شهر رمضان شهر البركات؛ أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فیا له من شهر عظیم یجب علینا أن نستغل أیامه ولیالیه، فالخاسر من یذهب عنه الشهر ولم یغفر له‏.‏

ولأهمیة الصیام وعظم شأنه فقد قمت بجمع هذه الرسالة من محاضرات وفتاوى شیخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرین، ثم قمت بترتیبها والتنسیق بین موضوعاتها، ثم أضفت إلیها بعض المسائل المهمة والتی أجاب علیها فضیلة الشیخ بخط یده‏.‏ فجاءت رسالة شاملة مبینة لآداب الصیام وأحكامه، إضافة إلى بیان شیء من أحكام الاعتكاف وفضل العشر الأواخر من رمضان، وأحكام زكاة الفطر، وأحكام العید ثم خاتمة فی وداع الشهر الكریم‏.‏

نسأل الله أن یعیده علینا وعلیكم والمسلمین فی عز ونصر وتمكین، ونسأله تعالى أن یبلغنا رمضان، وأن یتقبل منّا الصیام والقیام، إنه سمیع مجیب، وصلى الله على نبینا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏.‏

كتبه أبو أنس علی بن حسین أبو لوز

فی‏:‏ 30/5/1417هـ

الموافق‏:‏ /1996م

الریاض - حی الخالدیة

الرمز‏:‏ 11497 - ص‏.‏ب‏:‏31271

 الفصل الأول‏:‏ وقفات وفوائد وآداب

 أولاً‏:‏ استقبال شهر رمضان

كان رسول الله صلى الله علیه وسلم یهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان، كما فی الحدیث الذی رواه سلمان رضی الله عنه أنه صلى الله علیه وسلم خطب فی آخر یوم من شعبان، فقال‏:‏ ‏(‏قد أظلكم شهر عظیم مبارك، شهر جعل الله صیامه فریضة، وقیام لیله تطوعاً، شهر فیه لیلة خیر من ألف شهر، من تقرب فیه بخصلة من خصال الخیر كان كمن أدى فریضة فیما سواه، ومن أدى فیه فریضة كان كمن أدى سبعین فریضة فیما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر یزاد فیه فی رزق المؤمن، من فطّر فیه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتقاً لرقبته من النار، وكان له مثل أجره من غیر أن ینقص من أجر الصائم شیء‏)‏ قالوا‏:‏ یا رسول الله، لیس كلنا یجد ما یفطر الصائم، قال‏:‏ یعطی الله هذا الأجر لمن فطر صائماً على مزقة لبن، أوشربة ماء، أو تمرة، ومن أشبع فیه صائماً، ومن سقى فیه صائماً سقاه الله من حوضی شربة لا یظمأ بعدها حتى یدخل الجنة، فاستكثروا فیه من أربع خصال‏:‏ خصلتین ترضون بهما ربكم، وخصلتین لا غنى بكم عنهما‏.‏ أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم‏:‏ فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما‏:‏ فتسألونه الجنة، وتستعیذون به من النار‏)‏ ‏[‏أخرجه ابن خزیمة فی صحیحه برقم 1887‏]‏‏.‏

وروی أیضاً أنه علیه الصلاة والسلام كان یفرح بقدوم رمضان، فكان إذا دخل رجب یقول‏:‏ ‏(‏اللهم بارك لنا فی رجب وشعبان، وبلَّغنا رمضان‏)‏‏.‏

وهكذا كان السلف -رحمهم الله- یفرحون به، ویدعون الله به، فكانوا یدعون الله ستة أشهر أن یبلغهم رمضان، ثم یدعونه ستة أشهر أن یتقبله منهم، فتكون سنتهم كلها اهتماماً برمضان‏.‏

وفی حدیث مرفوع رواه ابن أبی الدنیا أن النبی صلى الله علیه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لوتعلم أمتی ما فی رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان‏)‏‏.‏

ونشاهد الناس عامة، مطیعهم وعاصیهم، أفرادهم وجماعاتهم، یفرحون بحلول الشهر الكریم، ویظهرون جداً ونشاطاً عندما یأتی أول الشهر؛ فنجدهم یسرعون الخُطا إلى المساجد، ویكثرون من القراءة ومن الأذكار، وكذلك نجدهم یتعبدون بالكثیر من العبادات فی أوقات متعددة، ولكن یظهر فی كثیر منهم السأم والتعب بعد مدة وجیزة‏!‏ فیقصِّرون، أو یخلّون فی كثیر من الأعمال‏!‏ نسأل الله العافیة‏.‏

 ثانیاً‏:‏ من فوائد الصیام

إن الله سبحانه وتعالى ما شرع هذا الصیام لأجل مس الجوع والظمأ، وما شرع هذا الصیام لأجل أن نعذب أنفسنا، بل لابد من فوائد لهذا الصیام قد تظهر وقد تخفى على الكثیر، ومن هذه الفوائد‏:‏

 حصول التقوى

فإن الله لما أمر بالصیام قرنه بالتقوى، كما فی قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب علیكم الصیام كما كتب على الذین من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏183‏)‏، فجعل التقوى مترتبة على الصیام‏.‏

ولكن متى تحصل التقوى للصائم‏؟‏

التقوى هی‏:‏ توقِّی عذاب الله، وتوقی سخطه، وأن یجعل العبد بینه وبین معصیة الله حاجزاً، ووقایة، وستراً منیعاً‏.‏

ولا شك أن الصیام من أسباب حصول التقوى، ذلك أن الإنسان ما دام ممسكاً فی نهاره عن هذه المفطرات -التی هی الطعام والشراب والنساء- فإنه متى دعته نفسه فی نهاره إلى معصیة من المعاصی رجع إلى نفسه فقال‏:‏

كیف أفعل معصیة وأنا متلبس بطاعة الله‏؟‏‏!‏

بل كیف أترك المباحات وأفعل المحرمات‏؟‏‏!‏‏!‏

ولهذا ذكر العلماء أنه لا یتم الصیام بترك المباحات إلا بعد أن یتقرب العبد بترك المحرمات فی كل زمان؛ والمحرمات مثل‏:‏ المعاملات الربویة، والغش، والخداع، وكسب المال الحرام، وأخذ المال بغیر حق، ونحو ذلك كالسرقة، والنهب، وهذه محرمة فی كل وقت، وتزداد حرمتها مع أفضلیة الزمان كشهر رمضان‏.‏

ومن المحرمات كذلك‏:‏ محرمات اللسان؛ كالغیبة، والنمیمة، والسباب، والشتم، واللعن، والقذف، وما إلى ذلك‏.‏ فإن هذه كلها محرمات فی كل حال، ولا یتم الصیام حقیقة، ویثاب علیه إلا مع تركها‏.‏

روى الإمام أحمد فی مسنده ‏[‏5/431‏]‏ عن عبید مولى رسول الله صلى الله علیه وسلم‏:‏ أن امرأتین صامتا فكادتا أن تموتا من العطش، فذكرتا للنبی صلى الله علیه وسلم، فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فأعرض عنهما، ثم دعاهما فأمرهما أن یتقیئا فتقیئتا ملء قدح قیحاً ودماً وصدیداً ولحماً عبیطاً‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن هاتین صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل علیهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا یأكلان لحوم الناس‏)‏‏.‏

ولأجل ذلك ورد فی الحدیث الشریف قول النبی صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏لیس الصیام من الطعام والشراب، إنما الصیام من اللغووالرفث‏)‏ ‏[‏أخرجه البیهقی فی السنن الكبرى‏:‏ 4/270‏]‏‏.‏ وقال صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏رب صائم حظه من صیامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قیامه السهر‏)‏‏.‏

ویقول بعضهم شعراً‏:‏

إذا لم یكن فی السمع منی تصــاون ** وفی بصری غض، وفی منطـقی صمت

فحظی إذن من صومی الجوع والظمأ ** وإن قلت‏:‏ إنی صمت یومی، فما صمت‏!‏

فلا بد أن یحفظ الصائم جوارحه‏.‏

روی عن جابر رضی الله عنه أنه قال‏:‏ إذا صمت فلیصم سمعك وبصرك ولسانك عن الغیبة والنمیمة، ودع أذى الجار، ولیكن علیك سكینة ووقار،ولا تجعل یوم صومك ویوم فطرك سواء ‏[‏ذكره ابن رجب فی لطائف المعارف وغیره‏]‏‏.‏

فالذی یفعل الحرام وهو صائم لا شك أنه لم یتأثر بالصوم، فمن یصوم ثم یرتكب الآثام فلیس من أهل التقوى، فقد ورد فی الحدیث قوله صلى الله علیه وسلم‏:‏ من لم یدع قول الزور والعمل به والجهل فلیس لله حاجة فی أن یدع طعامه وشرابه‏.‏

 حفظ الجوارح عن المعاصی

ومن حِكَمِ الصیام وفوائده أن الإنسان یحفظ وجدانه، ویحفظ جوارحه عن المعاصی، فلا یقربها، حتى یتم بذلك صیامه، وحتى یتعود بعد ذلك على البعد عن هذه المحرمات دائماً‏.‏

فالإنسان إذا دعته نفسه إلى أن یتكلم بالزور، أو بالفجور، أو یعمل منكراً‏:‏ من سب، أو شتم، أو غیر ذلك، تذكر أنه فی عبادة، فقال‏:‏ كیف أتقرب بهذه العبادة، وأضیف إلیها معصیة‏؟‏‏!‏

لیس من الإنصاف أن یكون فی وقت واحد وفی حالة واحدة جامعاً بین الأمرین‏:‏ الطاعة والمعصیة‏!‏ إن معصیته قد تفسد طاعته، وتمحو ثوابها‏.‏ فالإنسان مأمور أن یكون محافظاً على الطاعة فی كل أوقاته، ولكن فی وقت الصیام أشد‏.‏

وكثیر من الناس وقوا أنفسهم فی شهر رمضان ثلاثین یوماً، أو تسعة عشرین یوماً عن المحرمات، فوقاهم الله بقیة أعمارهم منها‏.‏

وكثیر من الناس كانوا یشربون الخمر، أو الدخان، وما أشبه ذلك، ثم قهروا أنفسهم فی هذا الشهر، وغلبوها، وفطموها عن شهواتها، وحمتهم معرفتهم لعظم هذه العبادة ألا یجمعوا معها معصیة، واستمروا على ذلك الحال، محافظین على أنفسهم، إلى أن انقضت أیام الشهر وكان ذلك سبباً لتوبتهم وإقلاعهم واستمرارهم على ذلك الترك لهذه المحرمات، فكان لهم فی هذا الصیام فائدة عظیمة‏.‏

وهكذا أیضاً إذا حافظ العبد على قیامه، واستمر علیه، حمله ذلك على الإكثار من تلك العبادة فإذا تعبد الإنسان بترك المفطرات، والصیام لله تعالى، دعاه إیمانه، ودعاه یقینه، وقلبه السلیم إلى أن یتقرب بغیرهما من العبادات‏.‏

فتجده طوال نهاره یحاسب نفسه ماذا عملت‏؟‏ وماذا تزودت‏؟‏

تجده طوال یومه محافظاً على وقته لئلا یضیع بلا فائدة؛ فإذا كان جالساً وحده انشغل بقراءة، أو بذكر، أو بدعاء، أو یتذكر آلاء الله وآیاته‏.‏

وإذا كان فی وقت صلاة، صلى ما كتب له من لیل أو نهار، وإن دخلت الصلاة أقبل علیها بقلبه وقالبه، وأخذ یتأمل ویتفكر ما یقول فیها؛ فیكون الصیام بذلك سبباً فی كثرة الأعمال والقربات كما یكون سبباً للمنع من المحرمات‏.‏

 حمیة للبدن

ومن حكمة الله تعالى فی هذا الصیام أیضاً أن فیه حمیة للبدن عن الفضلات‏.‏

ولا شك أن الحمیة من أقوى أنواع الأدویة والعلاجات، فالصیام یُكسب البدن المناعة والقوة، كما یكسبه أیضاً تدرُّباً على الصبر واحتمال الجوع والعطش، حتى إذا ما تعرض له بعد ذلك فإذا هو قد اعتاد علیه، فكان فی ذلك منفعة عظیمة‏.‏

 تذكر الفقراء والذین یموتون جوعاً

ومن الحكم الجلیلة التی شرع لها الصیام أن یشعر الإنسان بالجوع فترة الصیام فیتذكَّر أهل الجوع دائماً من المساكین والفقراء، لیرأف بهم، ویرحمهم، ویتصدق علیهم‏.‏

فشُرع الصیام لأجل أن یتضرع الإنسان -إذا ما أحسَّ بالجوع- فیدعوربه، كما ورد فی الحدیث‏:‏ ‏(‏إن النبی صلى الله علیه وسلم عرضت علیه جبال مكة ذهباً، فقال‏:‏ لا یا رب بل أرضى بأن أجوع یوماً، وأشبع یوماً، فإذا جُعْتُ تضرعتُ إلیك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك‏)‏ ‏[‏أخرجه الترمذی برقم 2347 وقال حدیث حسن‏]‏‏.‏ فذكر أن الجوع سببٌ للتضرع والذكر‏.‏ فالإنسان إذا أحس بالجوع تضرع إلى الله‏.‏

ومن الحكم فی الصیام أن الإنسان یقلل من الطعام حتى یحس بأثر الجوع، فیتضرع ویدعو الله، ویتواضع له، ویكون ذاكراً له، مقبلاً إلیه، متواضعاً بین یدیه‏.‏

ونلاحظ كثیراً من الناس أنهم لا یحسون بأثر هذا الجوع فی هذه الأزمنة، وذلك أنهم عند الإفطار یجمعون من المأكولات والمشتهیات ما یملأون به بطونهم، ویستمرون فی الأكل طوال لیلهم، متلذذین بأنواع المأكولات حتى إذا ما أتى النهار وقد مُلئت بطونهم مكثوا طوال نهارهم فی راحة، أو فی نوم أو ما أشبه ذلك إلى أن یأتی اللیل فلا یحس أحدهم بأنه صائم، ولا یظهر علیه أثر الصوم‏.‏

ومن المعلوم أن هذا الحال لم یكن من الصحابة والسلف الأولین، فإنهم كانوا یقللون من المأكل فی إفطارهم وفی سحورهم، ولا یأكلون إلا ما یقتاتون به ویقیم أصلابهم، كما أنهم كانوا طوال نهارهم منشغلین فی أعمالهم الدینیة والدنیویة، ولذلك لا بد وأن یظهر علیهم أثر الجوع والتعب، ولكنهم یحتسبون ذلك عند الله‏.‏ فینبغی للمسلم ألا یكون همه المأكل، وأن یعمل حتى یكون للصوم آثاره وفوائده‏.‏

 تخفیف حدة الشهوة

وقد جعل النبی صلى الله علیه وسلم الصوم للشباب وجَاءً أی‏:‏ مخففاً من حدة الشهوة كما فی قوله صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏یا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فلیتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم یستطع فعلیه بالصوم فإنه له وجاء‏)‏‏.‏ ‏[‏متفق علیه‏]‏‏.‏ ذلك أن الصوم یكسر حدة شهوة النكاح‏.‏

وكثیر من الناس الآن یصومون، لكنهم لا یجدون لهذا الصیام أثراً لتخفیف حدة الشهوة، وذلك أنهم لم یذوقوا ألم الجوع والعطش والتعب، بل ظلت نفوسهم متعبة بالشهوات، وأنّى لهم أن یتركوها وقد أضافوا إلى صومهم كل ما تعف النفس عن رؤیته من أفلام خلیعة ومسلسلات ماجنة‏.‏

 ثالثاً‏:‏ خصوصیة الصیام

إن الصیام عبادة بدنیة قوامُها ترك المفطرات المعروفة، ولما كان ترك هذه المفطرات سراً بین العبد وبین ربه، فإنه مما لا شك فیه أنه متى تم هذا العمل فیما بین الإنسان وبین الله كان ذلك أعظم لأجره، وأجزل لثوابه‏.‏ وقد ذكر ذلك كثیر من العلماء، فقالوا‏:‏ إن الصیام سر بین العبد وبین الله‏.‏ وقالوا‏:‏ إن ملائكة الحفظة لا تكتبه، لأن الإنسان إذا صام لا یطّلع علیه إلا الله‏.‏

فإذا صمت فمن الذی یراك فی كل حركاتك، وفی كل أوقاتك‏؟‏‏!‏

إن من یغفل عن مراقبة الله له یمكنه أن یفعل ما یرید فیتناول طعامه وشرابه دون ما خوف من الله عز وجل‏.‏ ولكن العبد المؤمن یعلم أن معه من یراقبه، وأن علیه رقیب عتید؛ یعلم أن ربه یراه قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذی یراك حین تقوم وتقلبك فی الساجدین‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏218-219‏]‏‏.‏

فإذا كان العبد یؤمن بأن الله تعالى هو المطّلع علیه وحده، كان ذلك مما یحمله على أن یخلص فی عمله، كما یحمله على الإخلاص فی كل الحالات، ویبقى معه فی كل شهور السنة‏.‏

فإذا راقبت الله تعالى، وحفظت صیامك، فی سرّك وجهرك، فی الأسواق وفی البیوت، ولم تتناول ما یفسد صومك، وعرفت أن الله یراقبك فلماذا تعود إلى هذه المعاصی بعد رمضان، وقد حرّمها الله علیك‏؟‏‏!‏

إذا كان الله تعالى قد حرم علینا الكذب، والقذف، وسائر المحرمات من محرمات اللسان، ومحرمات الفرج، ومحرمات الید، وما سواها‏.‏ فلماذا نقدم علیها فی غیر رمضان‏؟‏‏!‏

ألیس الذی یراقبنا فی رمضان هو الذی یراقبنا فی سائر الأوقات‏؟‏

فیجب على المسلم أن یستحضر ربه دائماً، فإنه علیه رقیب یعلم ما تكنه نفسه، یقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إلیه من حبل الورید‏}‏ ‏[‏ق‏:‏16‏]‏‏.‏

 الفصل الثانی‏:‏ أحكام الصیام

إن أحكام الصیام بحمد الله واضحة جلیة ذلك لأن الصیام یتردد على المسلم كل عام ویصوم الأتقیاء -إضافة إلى هذا- فی أثناء السنة تطوعاً طمعاً أن یثیبهم الله تعالى علیه، ولكن لا بد أن نذكر شیئاً یسیراً من أحكام الصیام‏.‏

 أولاً‏:‏ الصیام الواجب وصیام التطوع

إن الصیام الواجب الذی هو فرض من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، هو شهر رمضان، وما سواه فإنه تطوع‏:‏ ‏{‏فمن تطوع خیراً فهو خیر له‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏184‏]‏‏.‏

والدلیل على وجوبه وفرضه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏یا أیها الذین آمنوا كتب علیكم الصیام كما كتب على الذین من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏183‏]‏‏.‏ أی‏:‏ فرض علیكم‏.‏ وقوله صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏بنی الإسلام على خمس‏:‏‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر منها‏:‏ وصوم رمضان‏)‏‏.‏

والصیام فریضة كان أو نافلة‏:‏ هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثانی إلى غروب الشمس‏.‏ والذی یَلْزَمُهُ هذا الإمساك هو المكلف، أما غیر المكلف كالمجنون أو الصغیر الذی لم یبلغ سن التكلیف فهذا لا صیام علیه، وكذلك الكافر الذی طلب منه شرطه وهو الإسلام‏.‏

فالصیام إذاً یجب على المسلم المكلف، یعنی البالغ العاقل القادر؛ فالمسلم یخرج الكافر، والمكلف یخرج الصغیر والمجنون، والقادر یخرج المریض ونحوه من المعذورین، وإن كان یجب علیه القضاء أوالفدیة‏.‏

 ثانیاً‏:‏ مفطرات الصیام

 المفطرات الحسیة

إن المفطرات الحسیة التی تنافی هذا الصیام معروفة وأهمها‏:‏ الأكل، والشرب، والنكاح، ولكن یعفى فی الأكل والشرب عن الناسی، فإذا فعل شیئاً منها ناسیاً عُفی عنه لقول النبی صلى الله علیه وسلم كما فی الصحیح‏:‏ ‏(‏إذا نسی فأكل وشرب فلیتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه‏)‏‏.‏

ونأتی على شیء من التفصیل فی هذه المفطرات‏:‏

 الأكل والشرب

إذا أفطر بهما فلیس علیه إلا القضاء إذا أفطر لعذر، أما إذا أفطر لغیر عذر فقد وقع فی ذنب كبیر كما ورد عنه صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏من أفطر یوماً فی رمضان من غیر عذر لم یقضه عنه صیام الدهر، وإن صامه‏)‏‏.‏

فالذی یفطر فی شهر رمضان متعمداً دون أن یكون له عذر من مرض أو سفر، أو نحوذلك، یعتبر قد تهاون بهذا الركن، وأقدم على ما یفسده فهو كمن یترك الصلاة عمداً‏.‏

ویذهب بعض العلماء إلى كفر من أفطر من غیر عذر، ولا حاجة به إلى الإفطار، وإنما هو تهاون، وكذلك من ترك الصلاة بدون عذر فیذهب أیضاً بعض العلماء إلى أنه كافر لكونه تهاون بما فرضه الله دون أن یكون له عذر، ولكن مع ذلك علیه التوبة، وعلیه الإنابة، وعدم العودة إلى هذا الفعل، وعلیه إكمال شهره، والمحافظة علیه فی بقیة عمره‏.‏

 النكاح

إذا جامع الرجل أهله فی نهار رمضان فإن علیه القضاء مع الكفارة التی هی كفارة الظهار، التی ذكرها الله تعالى فی أول سورة المجادلة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏والذین یظاهرون من نسائهم ثم یعودون لما قالوا فتحریر رقبة من قبل أن یتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبیر فمن لم یجد فصیام شهرین متتابعین من قبل أن یتماسا فمن لم یستطع فإطعام ستین مسكیناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرین عذاب ألیم‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏3-4‏]‏‏.‏ فكذلك كفارة المُواقع أهله فی نهار رمضان‏.‏

ویقع هذا من كثیر من الشباب الذین ینامون مع أزواجهم بعد صلاة الفجر فلا یملك أحدهم نفسه وخاصة إذا كان لا ینام مع أهله فی اللیل، فإذا نام فی النهار لم یأمن أن تثور منه الشهوة‏.‏ فلذلك یرشد الشاب المسلم أن ینام مع أهله فی اللیل، حتى یعطی نفسه شهوته المباحة، ویسلم من تناول هذه الشهوة المحرمة فی النهار، والتی توقعه فی كفارة كبیرة‏.‏

وهناك مفطرات أخرى غیر الأكل والشرب والجماع، ومن هذه المفطرات‏:‏

 القیء

ثبت أنه صلى الله علیه وسلم قال‏:‏ من استقاء عمداً فعلیه القضاء، ومن ذرعه القیء فلا قضاء علیه‏.‏

فمن تعمد إخراج القیء فإن علیه القضاء لكونه تعمد إخراج ما یفطر صومه، ومن غلبه وخرج قهراً، فلا قضاء علیه، لكونه لم یتسبب فی ذلك‏.‏

 خروج الدم من جرح أو رعاف

إذا خرج الدم عن غلبة فإنه لا قضاء علیه، وإذا تعمد إخراجه، فالقیاس أنه یفطر كالقیء، ولكن إذا خرج بدون اختیار منه، أو كان بحاجة إلى ذلك كخلع ضرس ونحوه، فله أن یتحّفظ عن دخوله مع ریقه، أو ابتلاع شیء، فإن تحفظ فالصحیح أیضاً أنه لا یؤثر على صومه‏.‏

 الحجامة

ذهب الإمام أحمد إلى أن الحجامة تفطر، واستدل بحدیث الرسول صلى الله علیه وسلم‏:‏ أفطر الحاجم والمحجوم‏.‏ وهو حدیث متواتر، رواه عدد من الصحابة كما فی شرح الزركشی، ولو لم یكن منه شیء فی الصحیحین، ولكن منه أحادیث ثابتة عن شداد وثوبان وغیرهما لا طعن فیها على الصحیح‏.‏

وفطر الحاجم؛ فی ذلك الوقت لأنه یمتص الدم ویكرر امتصاصه، فیختلط بریقه فلا یؤمن أن یبتلع منه شیئاً، ولكن فی هذه الأزمنة وجدت محاجم لیس فیها امتصاص، إنما هی آلات یضغط علیها فتمسكه، وتمتص الدم، ففی هذه الحال قد یقال لا یفطر الحاجم إلا أن یكون لتسببه فی إفطار غیره‏.‏

وأما المحجوم فإنه یفطر لخروج هذا الدم الكثیر منه فیقاس على خروج دم الحائض‏.‏

 نقل الدم بالإبرة

لوأخذ الدم فیما یسمى بالتحلیل، أو التبرع لمنحه للمریض، فإذا كان هذا الدم كثیراً فإنه یلحق بالحجامة، وأما الدم القلیل بالإبرة، وما یؤخذ للتحلیل فالصحیح أنه لا یفطر لكونه لیس حجامة ولا یلحق بها‏.‏

 الضرب بالإبرة

وفیه تفصیل‏:‏

فإذا كانت الحقنة مغذیة ومقویة فإنها تفطر، وذلك لقیامها مقام الطعام، والشراب‏.‏ فالمغذی هو الذی یدخل مع العروق ویقوم مقام الطعام والشراب، وعلى هذا فالإبر المغذیة والمقویة التی تكسب البدن قوة تفطر؛ لأنها قامت مقام الأكل ونابت عنه‏.‏

أما الإبر الأخرى التی هی إبر یسیرة للتهدئة أو لتصفیة الجسم، أو ما أشبه ذلك، فالأولى والصحیح أنها لا بأس بها للحاجة، ولا تفطر الصائم‏.‏

 المفطرات المعنویة

وكما أن على الصائم أن یمسك عن المفطرات الحسیة كالأكل والشرب وغیره، فإن علیه أیضاً أن یمسك عن المفطرات المعنویة التی تنقص الصیام، كما ورد فی الحدیث الشریف‏:‏ ‏(‏لیس الصیام عن الطعام والشراب إنما الصیام عن اللغو والرفث‏)‏ ‏[‏سبق تخریجه‏]‏‏.‏

فعلى الصائم أن یمسك عن الكلام السیئ الذی فیه مضرة على غیره ومشقة، حتى یحوز أجر الصیام كما تقدم‏.‏

 ثالثاً‏:‏ صیام أهل الأعذار

إذا احتاج المرء إلى الأكل أو الشرب لمرض أو لسفر أو نحوذلك، فإنه معذور فیأكل بقدر حاجته ویقضی كما أباح الله ذلك للمریض وللمسافر لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مریضاً أو على سفر فعدة من أیام أخر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏184‏]‏ ولمزید من الفائدة فإننا نذكر بعض الأحكام الخاصة بصیام أهل الأعذار فمن ذلك‏:‏

1- صیام المسافر‏.‏

2- صیام المریض‏.‏

3- صیام الكبیر‏.‏

4- صیام المرأة الحامل أو المرضع والحائض والنفساء‏.‏

الفصل الثالث‏:‏ قیام اللیل

لا شك أن الصلاة من أفضل القربات، وأنها عبادة دینیة لا تصلح إلا لله تعالى، واختصت بأعمال من القربات، مثل‏:‏ الركوع والسجود، والقیام والقعود، والرفع والخفض، والدعاء والابتهال، والذكر لله، والقراءة، وغیر ذلك مما اختصت به فكانت أشرف العبادات البدنیة‏.‏

ولما كانت الصلاة كذلك فقد فرضها الله تعالى على عباده فریضة مستمرة طوال العام والعمر، وكررها فی الیوم خمس مرات، لما لها من أكبر الأثر فی حیاة المسلم‏.‏

ولما كانت من أهم الأعمال والقربات لله تعالى، فقد شرع لعباده أیضاً أن یتقربوا بنوافلها‏.‏ فمدح الذین یكثرون من الصلاة، وخصوصاً فی اللیل، فأمر نبیه صلى الله علیه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏یا أیها المزمل قم اللیل إلا قلیلاً نصفه أو انقص منه قلیلاً أو زد علیه ورتل القرآن ترتیلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏1-4‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن اللیل فتهجد به نافلة لك عسى أن یبعثك ربك مقاماً محموداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏79‏]‏‏.‏

فأمر نبیه أن یتهجد من اللیل بهذا القرآن، والأمر له شریعة لأمته، فإن أمته تبع له، فهو أسوتهم وقدوتهم‏.‏

 قیام النبی صلى الله علیه وسلم

لقد امتثل النبی صلى الله علیه وسلم أمر الله تعالى‏:‏ ‏{‏یا أیها المزمل قم اللیل إلا قلیلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏1-2‏]‏، فكان یقوم نصف اللیل، أو ثلثه، أو نحو ذلك طوال سنته، وكان یصلی من اللیل ما شاء، ویطیل فی الصلاة‏.‏

وقد ثبت أنه صلى الله علیه وسلم كان یخص شهر رمضان بمزید من الاهتمام، فقد قال صلى الله علیه وسلم‏:‏ ‏(‏من قام رمضان إیماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه‏.‏ متفق علیه‏)‏‏.‏

وقیام رمضان هو قیامه بالتهجد، بالصلاة ذات الخشوع، وذات الدعاء فی هذه اللیالی الشریفة‏.‏

وقد حث علیه السلام أمته على هذه الصلاة، فكانوا یتقربون بها، تارة یصلونها وحدهم، وتارة یصلونها معه صلى الله علیه وسلم، فتوفی وهم یصلون أوزاعاً‏.‏ یصلی فی المسجد جماعة، أو ثلاث جماعات، أو أربع، وقد صلّى بهم صلى الله علیه وسلم فی حیاته ثلاث لیال متوالیة جماعة، یصلی بهم نصف اللیل أو ثلثه، أو نحوذلك‏.‏

لكنه وبعد أن رأى حرص الصحابة على قیام اللیل معه ومداومتهم على ذلك وازدحام المسجد بهم خشی أن یُفرض علیهم ذلك القیام والاجتماع، فیعجزون فلا یحافظون ویستمرون علیه، فأمرهم أن یصلوا فرادى فی أماكنهم‏.‏

ثم إن عمر بن الخطاب رضی الله عنه جمعهم على هذه الصلاة التی تسمى صلاة التراویح، فجمعهم علیها لما أمن أنها لن تفرض علیهم؛ لأنه قد انقطع الوحی بوفاة النبی صلى الله علیه وسلم ‏.‏

فأجمع المسلمون أهل السنة على هذا التهجد خلافاً للرافضة، وبقی كذلك إلى هذا الزمان یصلون فی مساجدهم جماعة عشرین ركعة، أو ثلاث عشرة، أو ستاً وثلاثین، أو إحدى وأربعین، على حسب اجتهادات العلماء‏.‏

فرأى بعضهم أن یصلی إحدى وأربعین ركعة كما أثر ذلك عن مالك وغیره من الأئمة‏.‏

ورأى آخرون أن یصلی سبعاً وثلاثین فی صلاة الوتر، أو تسعاً وثلاثین، وقالوا‏:‏ إن هذا یخفف على الناس، ویكون فیه قطع للیالی فی الصلاة‏.‏

ورأى آخرون أن یصلی ثلاثاً وعشرین، واختار ذلك أكثر العلماء كما حكاه الترمذی عن أكثر الأئمة‏.‏

ورأى آخرون أن یصلوا إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة‏.‏

والكل جائز، ولكن لابد أن تكون الصلاة باطمئنان وخشوع وخضوع وحضور قلب، حتى تحصل الحكمة والفائدة التی لأجلها شرعت الصلاة‏.‏

وقد أجاز العلماء الزیادة على إحدى عشرة ركعة، واعتبروا ذلك بالزمان، فقالوا‏:‏ إن من صلى تسعاً وثلاثین ركعة فی ساعتین كمن صلى إحدى عشرة فی ساعتین، فیكون الأجر على قدر الزمان، لا على قدر العدد، أو كثرة الركعات‏.‏

 قیام السلف رضی الله عنهم

كانت سُنة السلف رحمهم الله أنهم یصلون هذه الصلاة فی نصف اللیل، أو فی ثلثه؛ أی ثلاث ساعات، كلها فی تهجد، فإذا كان اللیل طویلاً صلوا أربع ساعات أو أكثر، وإن كان قصیراً صلوا نحوثلاث ساعات كلها فی التراویح‏.‏ هكذا كانت صلاتهم، فإما أن یقللوا عدد الركعات ویطیلوا القیام والركوع والسجود، وإما أن یزیدوا فی عدد الركعات ویخففوا الأركان، ویقللوا القراءة، حتى تكون بمقدار هذه الساعات الثلاث أو الأربع أو نحوها‏.‏ وقد روى مالك وغیره أنهم أحیاناً یحیون اللیل فلا ینصرفون إلا قرب الفجر بحیث یستحثون الخدم بإحضار السحور‏.‏

ولكن فی هذه الأزمنة، نشاهد أن الناس قد استولى علیهم الكسل وشغلتهم أمور دنیاهم، فصاروا ینظرون لمن یصلی ربع هذه الصلاة أو ثلثها، فیعدونه مكثراً، بل یعدون القراءة المتوسطة، طویلة‏!‏ وإذا قرأ إمامهم علیهم سورة فأطالها، یقول قائلهم‏:‏ أطلتَ فخفِّف‏!‏‏!‏

ولا شك أن الذین یملُّون من هذه الصلاة هم الكسالى الذین لا یرغبون فی هذه العبادة، ذلك أن من فضل هذه الصلاة أن یجعلها المؤمن سرور قلبه، وراحة بدنه، وینبغی أن یجعلها المؤمن قرة عینه كما كانت قرة عین النبی صلى الله علیه وسلم‏.‏، وینبغی للمسلم أن یجعل جنس الصلاة راحة بدنه، وشفاءه ودواءه، وأن یستعین بها على حاجاته، ألیس الله تعالى یقول‏:‏ ‏{‏واستعینوا بالصبر والصلاة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏45‏]‏‏؟‏‏!‏

وروی أن النبی صلى الله علیه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة‏.‏ فإذا دخل فی الصلاة نسی همومه وغمومه، وخلی بربه، وسُرّ قلبه بأنسه بالله تعالى‏.‏

فهذه هی الحكمة من إطالة الصلاة ومن الركون إلیها‏.‏ فالذین یستثقلون هذه الصلاة إذا صلى أحدهم فی ساعة، أو نحوها أو أقل من ذلك عَدُّوا ذلك إطالة وتنفیراً هم الكسالى مع أن هذا نقص للصلاة وعدم طمأنینة، وإخراج لها عن ماهیتها؛ فإنا مأمورون فی الصلاة أن نقرأ ونرتل، ومأمورون أن لا ننقص فی رمضان عن ختم القرآن مرة أو مرتین‏.‏

ولقد كان السلف رحمهم الله یقرؤون، ویزیدون فی القراءة؛ فكانوا یقرؤون سورة البقرة فی ثمانی ركعات -وهی جزآن ونصف الجزء تقریباً- ونحن نرى أن بعض أهل زماننا یصلی سورة البقرة فی ثمانین ركعة‏!‏‏!‏

فأین الفرق بین أولئك، وهؤلاء‏؟‏‏!‏‏!‏

ونرى آخرین یقتصرون على نصف القرآن أو ثلثیه‏!‏‏!‏ ولا شك أن هذا هو الكسل بعینه‏!‏

ونقول لمن یرغب أن یقتدی بنبیه صلى الله علیه وسلم، وأن یكون حقاً من أتباعه، علیه أن یأتی بهذه الصلاة بطمأنینة -سواء رغب المصلون أم لم یرغبوا- فیبین لهم أن هذه هی الصلاة التی تجزئ فی القیام وهی التی حث علیها الرسول صلى الله علیه وسلم أن تكون فی خشوع واطمئنان، وهی ما كان علیه سلف هذه الأمة من الصحابة وتابعیهم رضی الله عنهم أجمعین‏.‏

فالقراءة المعتادة أن یختم القرآن فی لیلة سبع وعشرین، أو نحوها‏.‏ وقد أدركت أئمة یختمون فی رمضان ثلاث ختمات، حیث إنهم مع أناس یحبون سماع القرآن، ویحبون الخشوع فی الصلاة، وإطالتها بینما هناك أناس لا یقرؤون إلا قدراً قلیلاً من القرآن‏.‏

فإذا كنت إماماً لأناس فعلیك أن تصلی بهم الصلاة النبویة، التی تكون بها مدركاً للحكمة من هذه العبادة، محصلاً للثواب والأجر الذی أعده الله عز وجل لمن قام اللیل وتهجد، ورتل القرآن ترتیلاً‏.‏
 تنبیـــه

وهنا أنبه على أمر مهم لمن كان من عادته قیام اللیل ‏(‏أی التهجد‏)‏ طوال السنة فإنه لا ینبغی له أن یقطع عادته السنویة لأن الصلاة آخر اللیل مشهودة، كما ذكر ذلك النبی صلى الله علیه وسلم‏.‏

فإذا صلیت أول اللیل ما تیسر لك من هذه التراویح فحافظ أیضاً على صلاة آخر اللیل بما تستطیعه قلّ أو كثر، وبهذا تكون محافظاً على العبادات‏.‏

وهكذا أیضاً تحافظ على السنن الرواتب -التی قبل الصلاة وبعدها- فإذا طمعت فی الزیادة فی هذا الوقت فلا تدخر وسعاً‏.‏

روی عن بعض السلف‏:‏ أن الأعمال تضاعف فی شهر رمضان، فركعة فی رمضان تعدل ألف ركعة فیما سواه، والحسنة فیه بألف حسنة فیما سواه، والفریضة تعدل سبعین فریضة فیما سواه، ومن تقرب فیه بخصلة من خصال الخیر كان كمن أدى فریضة فیما سواه‏.‏ كما ذكر ذلك ابن رجب رحمه الله فی وظائف رمضان‏.‏
الفصل الرابع‏:‏ الاعتكــــاف






 

صفحات سایت

پیچک