تبلیغات
ماڵپه‌ری ئیسلام كورد
Rss
Logo
ADS
زاراوه‌كانی قیرائات

مه‌تنی تحفة الأطفال

ته‌فسیری قورئانی پیرۆز

شێوازی نوێژی پێغه‌مبه‌ر

ئامۆژگاری بۆ موسڵمانان

كاتی بانگه‌كان&بانكبێژان

24 كاتژمێر راسته‌وخۆ

ئاماری ماڵپه‌ر
میوانانی سه‌رهێل

ژماره‌ى سه‌ردانه‌كان

ڕاپرسی ماڵپه‌ر
ئایا تا ئێستا سوودت له‌ ماڵپه‌ری ئیسلام كورد بینیوه‌؟؟؟

ماڵپه‌ره‌ كۆنه‌كه‌مان
عه‌لمانیه‌ت بناسه‌
گێژاوی مه‌دخه‌لیزم
مێژووی انصار الاسلام
فیرعه‌ونی زه‌مان و قه‌یرانی...

 

 

 




 آراء العلماء فی المناسبات

.مدخل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ
بعد هذا العرض لمذاهب العلماء فی (المناسب) لابدّ أن نقف وقفة عند كل اتجاه تناقش الأدلة التی اعتمد علیها فی حكمه والاستنتاجات التی توصل إلیها بناء على هذه الأدلة.
.رأی الشوكانی:

مع الشوكانی:
عرفنا من استعراض رأی الشوكانی أنه ینكر القول بـ (المناسبة) ویرى من یقول بها متكلفا متعسفا متكلما برأیه فاتحا لأبواب الشك مُوسّعا لدائرة الرّیب، مُضَیّعا وقته فیما لا یفید.
ویبنی الشوكانی رأیه على دلیلین:
الأول:
نزول القرآن مفرقا حسب الحوادث المقتضیة لنزوله، وكونها متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحریم أمرٍ كان حلالا،وتحلیل أمر كان حراما..
ثم یقول: وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباینة هذا التباین.. فالقرآن النازل فیها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها إلى أن یقول: هذا على فرض أن نزول القرآن مترتبا على هذا الترتیب الكائن فی المصحف، فكیف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأیسر حظ من معرفة یعلم علما یقینا أنه لم یكن كذلك.. ثم یقول: وإذا كان الأمر هكذا فأی معنى لطلب المناسبة بین آیات نعلم قطعا أنه قد تقدم فی ترتیب المصحف ما أنزله اله متأخرا، وتأخّر ما أنزله الله متقدما فإن هذا عمل لا یرجع إلى ترتیب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتیب عند جمعه ممن تصدّى لذلك من الصحابة..
الثانی:
قیاسُه القرآن الكریم على قصائد الشعراء وكلام الخطباء حیث یقول: وقد علم كل مقصر وكامل أن الله تعالى وصف هذا بأنه عربی وأنزله بلغة العرب وسلك فیه مسالكهم فی الكلام وجرى به مجاریهم فی الخطاب، وقد علمنا أن خطیبهم كان یقوم المقام الواحد فیأتی بفنون متخالفة وطرائق متباینة فضلا عن المقامین، فضلا عن المقامات، فضلا عن جمیع ما قاله ما دام حیا، وكذلك شاعرهم. وإذا ما نظرنا فی القسم الأول من الدلیل الأول، وهو نزول القرآن منجما على حسب الحوادث المختلفة، وترتیبه على حسب النزول فإننا لا نجد حاجة لناقشة هذه الفكرة لأنها ساقطة بنفسها، ولم یقل بها أحد من العلماء حتى إن الشوكانی نفسه یقول بعد أن یستعرضها: هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على ا لترتیب الكائن فی المصحف، فكیف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأیسر حظ من معرفة، یعلم علیما یقینا أنه لم یكن كذلك.
وإذا كان الأمر - كما قال الشوكانی - فلماذا هذا الفرض ولماذا هذا الحكم بناء علیه وهل هناك مجال للافتراضات فی الأمور المعلومة من الدین بالضرورة والتی ثبتت بطریق التواتر، خاصة وأن جمیع القائلین بـ: (المناسبة) إنما یبنونها على أساس أن ترتیب التلاوة غیر ترتیب النزول. وإذا ما انتقلنا إلى القسم الثانی من الدلیل الأول، والذی یبنی فیه حكمه على أن ترتیب القرآن لم یكن حسب النزول، وإنما تقدم فی ترتیبه ما كان متأخرا وتأخر ما كان متقدما فإننا نقول:
إن كلام الشوكانی هنا مبنی على أن ترتیب الآیات القرآنیة، لم یكن بالتوقیف وإنما كان اجتهادیا برأی الصحابة ونص كلامه: فإن هذا - أی تقدیم المتأخر لطلب المناسبة بین آیات نعلم قطعا أنه قد تقدم فی ترتیب المصحف ما أنزله الله متأخّرا، وتأخّر ما أنزله الله متقدما فإن هذا عمل لا یرجع إلى ترتیب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتیب عند جمعه ممن تصدّى لذلك من الصحابة.
ومعلوم أن القول بأن ترتیب الآیات اجتهادی لم یقل به أحد من العلماء وإنما انعقد الإجماع وقامت الأدلة - كما تقدم معنا - على أن ترتیب الآیات توقیفی لا مجال للاجتهاد فیه.فالقول بأنه اجتهادی خروج على الإجماع والأدلة المتضافرة،هذا بالإضافة إلى أن الشوكانی لم یذكر لنا دلیلا واحدا على رأیه هذا.
وإذا ثبت هذا فإن السؤال الذی یطرح نفسه هو: لماذا رُتّبَت الآیات ترتیبا مخالفا لترتیب النزول؟ وهل كان هذا الأمر هكذا جزافا أم لابد وراء ذلك من حكمة؟ وإذا كان لحكمة فما هی هذه الحكمة؟ إن لم تكن الناسبة؟ وإذا كانت الناسبة خافیة فی بعض الأحیان فلیس معنى ذلك أنها غیر موجودة، بل معنى ذلك أننا قصرنا فی استخراجها وإدراكها كما تخفى علینا كثیرا من الحكم فی آیات الله فی الآفاق والأنفس، وقد یظهر فی عند البعض ما هو خاف عند غیرهم وقد یظهر فی زمن ما خفی فی زمن آخر، ولا شك أن الإنسان یأخذ من القرآن بقدر ما یعطیه، والمناسبة تكون على وجوه وتدرك حسب أفهام الناس، ولا بد من اختلاف لمدارج الناس فی العلم وقوة الاستنباط. فبعض الوجوه یظهر على بعض الناس، وبعضها عل بعض آخر. ویعلق الفراهی على هذه الفكرة فی كتابه (دلائل النظام) فیقول:
المنكر للنّظْم - أی المناسبة - لا محیص له من أحد ثلاثة أقوال:
فإما أن یقول بأن السورة لیست إلا آیات جمعت بعد النبی صلى علیه وسلم من غیر رعایة ترتیب كما وجدت فی أیدی الناس. وإما أن یقول بأنها اختل نظمها، لما أن الآیات التی أخلت بین الكلام المربوط قطعت النّظم، فكلا القولین ظاهر البطلان ومبنیٌ على الجهل الفاحش بجمْع القرآن وترتیبه، ومواقع الآیات المبیّنة والمفصلة بعد النزول الأول.
أما الأول: فلأنّ السّور كانت متلوّة فی عهد النبی صلى الله علیه وسلم وأمر الله النبی بالتّلاوة حسب تلاوة جبریل كما صرح به القرآن. وقد كان النبی - صلى الله علیه وسلم - یعلم الناس السورة بالتمام ویسمع منهم فهذا القرآن المجموع فی المصاحف لیس إلا على نسق ما جاء به جبریل علیه السلام، وقرأه على النبی فی تلاوته الأخیرة، فلو صح ما زعم فَلِمَ أمرَ الله نبیه باتّباع قراءة جبریل؟ ولِمَ كان یأمر بوضع الآیات بمواقعها الخاصة.
أما الثانی: فلأن الآیة المدخولة لا تقطع النّظم إذا دخلت فی موضع یلیق بها، والآیات المدخولة كلها معلومة الربط بما قبلها أو بعدها. وقد قال الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آیَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِیمٍ خَبِیرٍ}.
وإما أن یقول بأن الله تعالى لم یُرِدْ أن یُنَزّل كلاما منظما كما لم یُرِد أن یجعله شعرا أو سجعا أو غیر ذلك مما یراعى فیه المتكلم من البدائع والتكلف إنما هو كلام أُرید به الهدایة والحكمة فأنزل حسب ما اقتضت الأحوال من الدلائل والشرائع. وربما اجتمع المقتضیات من وجوه مختلفة، فأنزل مراعیا لتلك الوجوه المتباینة سورة جامعة لمطالب مختلفة، احتیج إلیها فی زمان نزولها. والأحوال والحوادث، واقتضاءاتها تجمع من علل متباعدة فی زمان واحد. فالسورة تجمع هذه الجمل كلها تكون على حِدّتها فی غایة الحُسْن والنّظام، وأما مجموع هذه الجمل فلا معنى لالتماس النظام فیه. وقد بیّن ذلك بعض أكابر العلماء فأقول لولا رعایة النظم فیه لما وجدنا الكلام الطّویل مبنیا على أسلوب جامع أو كلمة ناظرة إلى كلمة سابقة بعیدة عنها. مثلا {هُدىً لِلْمُتَّقِینَ} قد سبق فی أول سورة البقرة ثم جرى الكلام حتى عاد إلى ذكر أهل التقوى، فجاء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ناظرا إلى ما سبق، والتّأمل فی نظم ما بینهما وفی ما بعد ذلك یبیّن أن ذلك لیس بمحض الاتفاق ولذلك أمثلة كثیرة أوضح مما ذكرنا.
أما الدلیل الثانی الذی یعتمد علیه الشوكانی فی حكمه، وهو قیاسه على كلام العرب وقصائدهم وخطبهم لأنه نزل بلغتهم فإننا نقول فیه: إن القرآن الكریم وإن نزل بلغة العرب، فلیس یشبه كلامهم من كل وجه ولا یخالفه من كل وجه، فهناك أوجه اتفاق، كما أن هناك أوجه اختلاف فمن أوجه الاختلاف ما قال الجاحظ: سمّى الله تعالى كتابه اسما مخالفا لما سمّى العرب كلامهم على الجملة، والتفصیل، سمّى جملته قُرآنا ما سمّوا دیوانا وبعضه سورة، كقصیدة، وبعضها آیة كالبیت، وآخرها فاصلة كقافیة. وإذا ما تأملنا قصائد الجاهلیة، وجدنا أنها تسیر على نظام معیّن حیث ابتداء بالنسیب والبكاء على الأطفال والدیار، ثم یصل الشاعر إلى غرضه من الفخر أو المدح أو الرثاء، ولا شك أن المناسبة قائمة بین أجزاء القصیدة وأبیاتها.
أما بالنسبة إلى ما ذكره الشوكانی من إنكاره ترتیب القصائد المختلفة الموضوع كمدح والهجاء والرثاء، أو ترتیب الخطب التی قبلت فی مناسبات مختلفة، فهذا غیر وارد، وذلك لأن كثیرا من القصائد التی وصلتنا على قلتها لم تكن لتنجو من تلاعب رواة الشعر بین تقدیم وتأخیر، وحذف وتغییر، ولأن العرب كانوا أمة أُمیة لا یقرؤون ولا یكتبون، ومن ثم لم یؤلفوا كُبُبا حتى تحتاج إلى ترتیب وتنسیق، وحینما تحولوا إلى أمة علمیة بمجیء القرآن ودخولهم فی الإسلام، وجدنا الكتب المصنفة المرتبة، ووجدنا المناسبة تجمع أشتات هذه الكتب وموضوعاتها، وهكذا توزعت الكتب واختلفت باختلاف موضوعاتها وفنونها فكتب الفقه وكتب التفسیر، وكتب الحدیث وكتب التاریخ الخ...
وكل كتاب یبدأ بما یناسب الابتداء، ثم یقدم ما حقه التقدیم، ویؤخر ما حقه التأخیر، ثم تأتی الخاتمة، وكذلك الشعراء فإنهم لا ینشرون دواوینهم هكذا اعتباطا، وإنما یعمدون إلى القصائد التی یجمعها موضوع واحد، أو مناسبة ما فینشرونها فی دیوان واحد تحت عنوان واحد، ولیس هذا شأن العرب وحدهم، وإنما هو شأن البشریة كلها فی الشرق والغرب، بل إن الشوكانی نفسه، شعر حینما استطرد فی كلامه عن المناسبة أنّه خرج عن الموضوع الذی كان فیه وهو تفسیره لسورة البقرة، فاعتذر عن ذلك وقال: إنما ذكرنا هذا البحث فی هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بنی إسرائیل بعد أن كان قبله مع أبی البشر آدم علیه السلام. فهو یرید بذلك أن یبین للقارئ مناسبة هذا الكلام الذی انْجرّ إلیه، حتى لا یلام على ذلك، وهذا دلیل على أن الإنسان لا یمكن أبدا أن یتخلى عن المناسبة، أو أن یُغفلها فی كلامه أو كتابته فإذا كان كلام البشر خلوا من المناسبة فلا شك أنه عیب فی الكلام، ونقص فی صاحبه فكیف بكلام الله تعالى الذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه والذی لا ریب فیه هدىً للمتقین.
وإلیك ما قاله الفراهی فی دحض هذه الشبهة:
زعم بعض العلماء أن الكلام المنظم الذی یجری إلى عمود خاص لیس من عادة العرب فإنك ترى فی شعرهم اقتضابا بیّنا، فلو جاء القرآن على غیر أسلوبهم ثقل علیهم، وهذا زعم باطل، فإن العرب كانوا یتَلَهّوْنَ بالشعر، ولا یعدونه من المعالی وإنما كانوا یعظمون الحكماء ویحبون الخطبات الحكیمة، ولذلك كان الأشراف یأنفون عن قول الشعر وأنْ یُعْرفوا به وإنما یستعملونه نزرا على وجه الحكمة وضرب المثل. ومحض الوزن والنظم لا یُعَد شعرا، وإن للشعر مواضیع من فنون الهزل والإطْراب، فهو على كل حال من لهو الحدیث، فمن نظم الأبیات فی غیر مواضیعه لا یُسَمّى شاعرا إنما هو ناظم. ومن هذا الجانب المعروف من حقیقة الشعر، قال النبی صلى الله علیه وسلم: «إن من الشعر لحكمة وإن من البیان لسحرا».
أی هذا یكون عل الندرة، ولذلك نزه الله تعالى نبیه عن الشعر حیث قال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا یَنْبَغِی لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِینٌ لِیُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَیّاً وَیَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِینَ}.
فإن تبیّن لك هذا الفرق بین الشعر والبیان، وأن العرب لم یكن أكثر كلامهم الجزل شعرا، فهل بعد ذلك تجعل القرآن على أسلوب الشعراء وأنه مقتضب البیان كمثله؟ ألا ترى كیف جعل الله ذلك من ذمائم الشعراء وقدمه على الكذب مع ظهور شناعة الكذب فنبّه على أن القول من غیر غایة وعمود ونظام أدل على سخافة القائل، فقال تعالى فی ذم هؤلاء الشعراء: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی كُلِّ وَادٍ یَهِیمُونَ وَأَنَّهُمْ یَقُولُونَ مَا لا یَفْعَلُونَ} [الشعراء: 225-226].
هل الهیمان فی كل واد إلا الجریان فی القول من غیر مقصد ونظام. ولیس للعقل فیه رغبة، ولكن النفس ربما ترغب فی الملاهی، والخُلُوِّ عن الفكر فتمیل إلى ذلك كما تمیل إلى الخمر والغناء وأشغالٍ تغفلها عن الهموم والأفكار وهذا لیس بدواء ولكنه داء..
ثم یبین الدوافع الحقیقیة، والأسباب الخفیة التی جعلت بعض العلماء ینكرون المناسبة فیقول:
ما أنكر وجود النظم فی القرآن من أنكره إلا بخلاف رضاه، ولولا أنه أكره علیه لتحاشى عنه، فإنه لا یرضى عاقل أن یترك بین الناس كلاما له، وهو یعلم أنه مختل النظم، بل لو لاح له بعد زمان شیء من الإخلال راجع فیه النظر، وهذّبه غایة ما یمكنه.
وكذلك لا یهتم به من حَسُن فیه ظنه، وإنما یتهمه إذا عجز عن فهمه ولم یتهم فیه نفسه بالتقصیر، فحینئذ ینسب إلى القائل إساءة الصناعة، وذلك إذا كان الكلام من مخلوق.
فأما إذا كان من الخالق - تعالى وتقدس - وهو محفوظ ومرتب على غیر ترتیب النزول - وألقاه الملك الأمین إلى نبی كریم، فیصح السان من قوم مشهورین بالفصاحة والبیان، وقد قرأه علیه مرارا.
ولا شك أن حُسْنَ الشیء ونفعه مودعان فی تناسب أجزائه، لا سیما الكلام البلیغ، ولا سیما إذا تحدى به البلغاء، فعجزوا عن الإتیان بمثله ولو بسورة واحدة. فلا أدری كیف یظن به ظان - وهو من المسلمین المؤمنین بالله وتنزیله - أنه خال عن حسن النظام.
فإذا كان الأمر كذلك، فلا شك أن الذین ذهبوا إلى نفی النظام (أی المناسبة)، لم یذهبوا إلیه إلا لأسباب اضطرتهم إلیه، فلنذكر بعض تلك الأسباب لتعرف عذرهم، وتبقى على حسن ظنك بهم، ولتخرج من محض التقلید، إلى مطمئن من الحق.
فإن الأذكیاء والحكماء لا یذهبون إلى رأی نكرٍ إلا فرارا مما هو أشد نكارة، فمن لم یعرف ذلك إما أساء بهم الظن، وسدّ على نفسه الانتفاع بهم، أو قلّدهم فی أمر ظاهر الفساد فعمی وتصامم عن الاستماع لكل دلیل واضح. فإن إساءة الظن إلى دلائلك أهون علیه من إساءة الظن بأولئك الأكابر. وإن نقلت من بعض الأكابر ما یوافق الحق اشتبه علیه الأمر، وربما اتبع ما علیه الأكثرون.
فلذلك احتجنا إلى ذكر بعض الأسباب المانعة عن الإیقان بالنظام مع وضوح دلائله، فنقول وبالله التوفیق:
الأول:
وهو أقوى الأسباب: تبرئة كلام الله عن كل عیب وشین. ولا شك أنه ظاهر النظام والترتیب فی كثیر من المواضع، ولكنهم لو ادعوا أن كله منظم، -والنظم مرعی فیه - لاضطروا فی مواضع إلى القول بعدمه وذلك لغموضه ودقته، فتركوا هذا المسلك، ولم یحولوه إلى قصور أفهامهم، فإن منها ما وجدوه خلاف أصول النظم، وتیقنوا أنه لا یمكن فیه تصور نظم ما. كما ترى فی آیة: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِینَ} [البقرة: 238] فإن هذه الآیة واقعة بین ذكر متصل لأمور النساء، ثم بعدها یرجع إلى الذكر الأول، ولولا هذه الآیة لكان البیان على غایة الاتصال.
ومن بیّن مناسبة هذه الآیة،لم یأت بما یتقبله من رزق شیئا من الإنصاف ویستمع القول فیتبع أحسنه.
ومن الذین یؤمنون بوجود النظام من نسب ذلك إلى عجز فهمه. وذلك هو المسلك الأحوط وقد كشف لنا غطاؤه بعد سنین، فالحمد لله رب العالمین {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِیَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].
الثانی:
لیس دون الأول، ولكن الأول یتعلق بالمصنفین، والثانی یتعلق بالناظرین فی كلامهم.
وهو أكثر من ذهب إلى وجود النظم كالإمام الرازی - رحمه الله - قنع فی هذا الأمر الصعب بما هو أوهى من نسج العنكبوت، مع سبقه الظاهر فی العلوم النظریة والذكاء.
فمن نظر فی كلامه تیقن بأن النظم لو كان كما یدعیه هذا الإمام المتبحر وأمثاله، لما خفی علیه مع خوضه فیه، وإذا لا یأتی هو ولا غیره إلا بكل ضعیف، فلا مطمح فیه لأحد بعد هؤلاء، فإما بقی على قوله بوجود النظم، ولكن یئس من علمه وأغلق بابه، فإن سمع أحدا یدعوه إلیه لم یسمعه. وإما صار إلى الرأی الذی ظنه أسلم، وهو أن القرآن إنما نزل منجما مفرقا، فلا یطلب فیه نظام.
الثالث:
إكثار الوجوه فی التأویل، وإكثار الجدل وقال وقیل، وذلك بأن النظم إنّما یجری على وحدة، فبحسب ما تكثر الوجوه، یتعذر الاستنباط النظام. فمن نظر فی هذه الوجوه المتناقضة والأقاویل المتشاكسة تحَیّر، لا یدری ماذا یختار منها؟ وأصبح فی حجب من النّظم الذی یجری من كل جملة فی وجه واحد كمن سلك طریقا یصادف فی كل غلوة طرقا شتّى.
ولما كان ذلك - ولأسباب أُخر شرطنا أن نقنع بوجه واحد صحیح ظاهر ینتظم به الكلام، ولم نجده إلا أحسنها تأویلا، وأبلغها بیانا - وهذا مبسوط فی موضعه وإنما ذكرناه هنا من جهة أن إكثار الوجوه من أكبر الحجب على فهم النظام، بل عدم التمسك بالنظام هو أكبر سبب للولوع بكثرة التأویل، فإن النّظم هو الذی یوجهك إلى الوجه الصحیح والسلف رحمهم الله لم یجمعوا وجوها بل كل منهم ذهب إلى أمر فی كل علم إذا كثرت الكتب ودون العلم، وسهل الطریق فیحرصون على التبحر ویرفضون الرسوخ والتحقیق فی فن واحد، فیحسبون تكثیر الأقاویل والمذاهب علما وهم خِلْوٌ عنه كما قیل: طَلَبُ الكل فَوْتُ الكل.
فمن اشتغل بالتفسیر وجده بحرا متلاطما من الأقوال، وحفظه هذه الأقاویل یمنعه عن مسلك النظام من جهة نفاد فرصته ومنته، ومن جهة أن النظام قد خفی وضل عنه فی شتات الوجوه الكثیرة بل لو رفض هذه الكتب كلها وأخذ طریق السلف رحمهم الله فتدبر القرآن والتمس المطابقة بینه، وبین السنة الثابتة لكان أقرب إلى معرفة النظام وصحیح التأویل.
الرابع:
قریب من الثالث، إنّ تحَزّب الأمة فی فرق وشِیع، قد ألجأهم إلى التمسك بما یؤیده من الكتاب فراق لهم تأویله الخاص سواء كان بظاهر القول، أو بإحدى طرق حمل الكلام على بعض المحتملات. ولا یخفى أن غلبة رأی وتوهم، یجعل البعید قریبا والضعیف قویا، وكذلك یضل كل فریق، فلكل حزب تأویل حسب مذهبه، وحینئذ لا یمكن رعایة النظام فإن الكلام لا بد له من سیاق، ولا بد لأجزائه من موقع یخصه. فلو رعوا النظام، ظهر ضعف ما یملیه ویجذبه إلى غیر مساقه، كما أنن الكلمة الواحدة ربما تكون مشتركة بین المعانی المتعددة ولكن إذا وضعت فی كلام منع موقعها وقرائنها من كثرة الاحتمالات، وتعین منها ما وافق معنى الجملة والتأم به. ومع ذلك لیس كل نظام جدیرا بالأخذ بل ما هو أحسن تأویلان فربما یلتئم الكلام ویتسق النظام بتأویل ركیك ساقط، فهذا مما یتح بابا لدخول الأباطیل والهوى، یخالف النظام الصحیح العالی الذی یظهر به رفیع مكان التنزیل، كما وصف الله به كتابه فی مواضع لا تحصى.
.رأی العز بن عبد السلام:

مع العز بن عبد السلام:
بالرغم من أن العز بن عبد السلام یصرح بأن المناسبة علم حسن، إلا أنه یشترط أن تكون فی أمر متحد مرتبط أوّله بآخره، ولا یقبل بالمناسبة فیما وراء ذلك لأن القرآن نزل فی نیف وعشرین سنة فی أحكام مختلفة، وما كان كذلك لا یتَأتّى ربط بعضه ببعض ولا شك بأن الأمر المتحد المرتبط أوله بآخر لا یحتاج أن نبحث له عن المناسبة لأنها ظاهرة الفكرة مرتبط أولها بآخرها، فهذا الشرط هو تحصیل حاصل.
أما فی ما وراء الأمر المتحد المرتبط أوله بآخره، فنرى أن العز بن عبد السلام لا یقول بالمناسبة، وذلك لاختلاف أسباب النزول، ولا شك بأن هذا الرأی مبنی على أن ترتیب الآیات كما هی فی المصحف، إنما كان على ترتیب النزول، وهو أمر ظاهر البطلان، بعد ما قدمنا من الأدلة على أن ترتیب الآیات لیس وفق ترتیب النزول، وأنه توقیفی بأمر من الرسول صلى الله علیه وسلم - وهكذا نرى أن هذه الشبهة ساقطة، ولا تنهض أمام الأدلة المتوافرة التی سبقت.
ونستخلص من هذا أن العز بن عبد السلام متوسط فی رأیه، فهو یقول بالمناسبة الظاهرة، دون الخفیة، وذلك لیهرب أیضا من التكلف الذی رآه عند بعض من خاضوا هذا البحر، ولم یحسنوا فیه السباحة فأوشكوا على الغرق. فهو یرى حسن المناسبة ولكنه یشفق على من یسعى إلیها.
.رأی الجمهور:

مع الجمهور:
لا شك أن رأی الجمهور بالقول بالمناسبة یعتمد على أدلة قویة كما قدمنا، غیر أن الطریقة التی سلكها أكثرهم فی التعرض إلى المناسبة واستكشافها لم تكن تساعدهم دائما على معرفة المناسبة القویة، فیلجئون إلى مناسبات ضعیفة قد تضطرهم إلى شیء من التكلف مما حمل أصحاب الاتجاه الأول على إنكار المناسبة والتشنیع على القائلین بها، وأصحاب الاتجاه الثانی على القول بها فی حال دون حال ویبدو أن الطریقة التی كانوا یلجئون إلیها فی غالب الأحیان، وهی طریقة التحلیل حیث لا یتجاوزون الآیتین المتجاورتین، وبالتالی ینحصر البحث فی معنى الآیتین ولا یجاوزهما إلى معانٍ أخرى تفهم من مجموع الآیات فی السورة الواحدة، ولو أنهم بعد أن سلكوا هذا الطریق التحلیلی، عادوا فنظروا إلیه نظرة محلیة تركیبیة، لأمكنهم أن یربطوا بین الآیات كلها ربطا محكما، لا شبهة فیه ولا تكلف، ومن هنا فالطریق الصحیح لإدراك المناسبة لا بد أن یستخدم أولا منطق التحلیل، حیث یضع الفرضیات الأولى للمناسبة بین الآیات، ثم یأتی بعد ذلك منطق التركیب الذی یحاول استكشاف الوحدة الكلیة الموضوعیة التی یقوم علیها بناء السورة فإذا ما أدرك ذلك أمكن تصحیح التكلف والتعسف الذی ینشأ من منطق التحلیل، بذلك تبدو المناسبة قویة محكمة لا تحتاج إلى تكلف ولا تعسف. غیر أن إدراك الوحدة الموضوعیة الكلیة لیس بالأمر المیسور، كما أنه لیس ملقىً على قارعة الطریق، وإنما یحتاج إلى بحث ودراسة، وقد تختلف فیه أنظار الباحثین والدارسین ومن ثمّ تختلف المناسبات باختلافهم، فالبقاعی - مثلا - یستنتج موضوع السورة من اسمها، وفی ذلك یقول: وقد ظهر لی باستعمالی لهذه القاعدة بعد وصولی إلى سورة سبأ أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شیء تلحظ المناسبة بینه وبین مُسماّه عنوانه الدّال إجمالا على تفصیل ما فیه، وذلك هو الذی أنبأ آدم علیه السلام عند العرض على الملائكة علیهم السلام، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها، فأذكر المقصود من كل سورة وأطابق بینه وبین اسمها، وأفسّر كل بسملة بما یوافق السورة ولا أخرج عن معانی كلماتها.
أما الفراهی فإنه یقول:... ولما كان اسم الشیء عنوانا لمعناه، وقد اشتهر من الأسماء ما لا یخبر عن معناً هاما، فاعلم أن أسماء السور على أربعة وجوه:
الأول:
تسمیها بلفظ من أوائلها، فمنه فیما نقله السیوطی سورة الحمد وبراءة، وسورة سبحان، وطه، وحوامیم، ویس، واقتربت، والرحمن، وتبارك، وعمّ، والمعصرات، وأرأیت، وسورة تبت، وغیر ذلك، وهكذا سمّت الیهود كتب التوراة.
الثانی:
تسمیتها بلفظ اختص بها، كالزخرف والشعراء والحدید، والماعون، وغیر ذلك، فهذه أسماء لا تنبئ عن مقصود السورة ولكنها كالشّامة والسّمة تتمیز بها مسمیاتها، وكانت العرب تسمی الرجال والأشیاء هكذا، كالملتمس وتأبَطّ شراً، وهكذا المنطقی یمیز المعانی بعرض خاص لیس فی شیء من حقیقة المعنى.
الثالث:
تسمیتها بلفظ یخبر عن بعض المعانی العظیمة كتسمیة سورة النور لاشتمالها على آیة النور وتسمیة سورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة إبراهیم وسورة یونس، وكثیر من الأسماء على هذا الأسلوب.
الرابع:
تسمیة السورة بما ینبئ عن المقصد الذی تبنیت له السورة، ضمنها تسمیة الفاتحة بصورة الصلاة وتسمیة براءة بنی إسرائیل وسورة محمد بسورة القتال وسورة الإخلاص والمعوذتین، فهذا الوجه الرابع یخبر عن فهم من سمّى السورة به، فلو سموا كل سورة على هذا الوجه لظهر نظام السور لكل متوسم. هذا فإن حصر موضوع السورة فی اسمها ربما یؤدی إلى تكلف، إذا كان الاسم من الأنواع الثلاثة التی ذكرها الفراهی، ولا شك أن هذا الخلاف فی تعیین موضوع السورة ینعكس على إدراك مناسبات آیاتها، ومن ثم یكون اختلاف كبیر فی وجهات النظر.
.رأی دراز والفراهی:

مع دراز والفراهی:
لا شك أن ما ذهب إلیه الدكتور دراز، والمعلم الفراهی، یبدو أنه أقرب للصواب وأدنى من الحكمة، لما قدما من أدلة قویة مقنعة، ولما وضعاه من الأصول والمعالم التی تهدی إلى المناسبة المعقولة، والتی تبعد عن التكلف والتعسف وذلك كما سیأتی معنا فیما بعد، وقد بلغ الأمر عند الفراهی مرتبة الیقین حتى أنه یقول: (وكیف یشك فیه من وجد مَسّ برده، وشم ریح ورده، وتمتع بنسیم عرار نجده، ولكنه من لم یذق فإن ارتاب فلا تثریب علیه) ومع ذلك یبدو أن هذا الاتجاه على أهمیته - وبالرغم من الجهود التی بذلها فی توضیح رأیه وإقامة الحجج والبراهین المقنعة - لم یستطع أن یعبد الطریق أمام الباحثین فما زالت هناك صعوبات كثیرة وعقبات كبیرة، تحتاج إلى مواصلة الجهد ومعاودة الدرس. إننا نتعاطف مع هذه الفكرة ونشعر شعورا قویا وغامضا بصحتها، ولكن تحقیقها فی عالم الواقع لیس بالأمر الهین الیسیر ودون ذلك، أشواك ومشتقات حتى یستوی النظام على سوقه، ویرتفع بنیانه على قواعد علمیة محددة، وقد لا یستطیع ذلك إلا أفذاذ من الناس ممن وهبوا حیاتهم ووقتهم لمطالعة كتاب الله ودراسته وآتاهم الله فهما وحكمة ومن یؤت الحكمة فقد أوتی خیرا كثیرا.



صفحات سایت

پیچک